مسائل منتقدة على الاحناف - الصلاة
المَسَائِلُ المُنْتَقَدَةُ عَلَى الحَنَفِيَّةِ (مِنْ كِتَابِ الصَّلاَةِ)
خامسًا/ مَسْأَلَةُ الصَّلاَةِ فِي أَعْطَانِ الإبِلِ
(1) حَدثنا ابْنُ إِدريسَ عن الأَعمَشِ عبد
عبدِاللهِ بنِ عبدِاللهِ عن عبدِالرحمنِ ابنِ أَبي لَيلَى عن البَرَاءِ بنِ مالكٍ قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فقال: أُصَلِّي عِي مَرَابِضِ الغَنَمِ؟ قال: (نَعَمْ). قال: أَتَوَضَأُ من لُحُومِهَا؟ قال: (لاَ). قال: فَأُصَلِّي في مَبَارِكِ الإبِلِ؟ قال: لاَ). قال: فَأَتَوَضَّأُ من لُحُومِهَا؟ قال: (نَعَمْ). أخرجه أبو داود (184)، والترمذي (81)، وابن ماجه (494). وقوله: البراء بن مالك صوابه/ البراء بن عازب.
(2) حدَّثنا هُشيمٌ عن يُونُسَ عن الحَسَنِ عن عبدِالله بن مُغَفَّلٍ قال: قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (صَلُّوا في مَرَابِضِ الغَنَمِ، ولاَ تُصَلُّوا في أَعْطَانِ الإِبِلِ، فإنها خُلِقَتْ من الشَّيطَانِ). أخرجه النسائي (735)، وابن ماجه (769).
(3) حدثنَا عُبيدُاللهِ بنُ مُوسَى عن إِسرَائِيلَ عن أَشْعَثَ ابن أبي الشَّعْثَاءِ عن جَعفَرِ ابن أبي ثَورٍ عن جابرِ بن سَمُرَةَ قال: أمرَنَا النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أن نتوضَّأَ من لُحُومِ الإِبِلِ، وَلا نتوضَّأَ من لُحُومِ الغَنَمِ، وأن نُصَلِّي في دِمَنِ الغَنَمِ، ولا نُصلِّي في أَعطانِ الإبِلِ. أخرجه مُسلم (360). وقوله: دمن الغنم/ ما تلبده الغنم بأبوابها وأبعارها في مرابضها. راجع: النهاية (2/ 134).
(4) حَدَّثنَا يزيدُ بن هَارُونَ حدَّثنا هِشَامٌ عن مُحمَّدِ بن سِيرِينَ عن أبي هُرَيرَةَ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِذَا لم تَجِدُواْ إِلا مَرَابضَ الغنمِ وأعطانَ الإبلِ؛ فَصَلُّوا في مَرَابِضِ الغَنَمِ، ولا تُصَلُّوا في أعطانِ الإبلِ). أخرجه ابن ماجه (768).
(5) حَدثنَا زيدُ بن الحُبَابِ عن عبدِالملكِ بن الرَّبيعِ بن سَبْرَةَ عن أبيهِ عن جدِّهِ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا يُصلَّى في أَعْطَانِ الإِبِلِ). أخرجه ابن ماجه (770).
وذُكر أن أبا حنيفةَ قال: لا بَأسَ بذلك.
***
ورد النهي في هذه الأحاديث عن الصلاة في أعطان الإبل، وإباحتها في مرابض الغنم، قال الشافعي: أعطان الإبل: مباركها حول الماء. وقال أحمد: هي التي تقيم فيها الإبل وتأوي إليها.
والمرابض للغنم كالأعطان للإبل، ويُقال: ربضت الغنم وبركت الإبل. وفي بعض ألفاظ الحديث: مراح الغنم؛ وهو مأواها ليلًا. راجع: الأم (1/ 113)، والمجموع (3/ 166)، والمغني (1/ 403)، والنهاية في غريب الحديث والأثر ولسان العرب المواد: عطن، ربض، روح.
وقد ذهب جمهور العلماء إلى كراهة الصلاة في معاطن الإبل، وذهب الحنابلة والظاهرية إلى عدم صحة الصلاة في أعطان الإبل، وعن أحمد رواية أخرى: أن الصلاة صحيحة. كمذهب الجمهور، وذهب الحنفية إلى جواز الصلاة في معاطن الإبل -وذلك بعد اتفاق الجميع على عدم صحة الصلاة في مواضع النجاسات، فمن صلَّى في معاطن الإبل أو مرابض الغنم لا بد أن يصلي في موضع طاهر منه، أو يبسط شيئًا طاهرًا يصلي عليه-.
قال أو الوليد الباجي في المنتقى (1/ 302): لا خلاف بين العلماء في كراهة الصلاة في عطن الإبل. اهـ. وراجع: مواهب الجليل (1/ 421)، ومنح الجليل (1/ 194)، وشرح الخرشي (1/ 227).
وقال النووي في المجموع شرح المهذب (3/ 166): وتُكره الصلاة في أعطان الإبل، ولا تُكره في مراح الغنم؛ لأن في أعطان الإبل لا يمكن الخشوع لما يُخاف من نفورها ولا يُخاف من نفور الغنم. اهـ. وراجع: المنهاج وشروحه: تحفة المحتاج (2/ 166)، ونهاية المحتاج (2/ 6)، ومغني المحتاج (1/ 411).
وقال ابن قدامة في المغني (1/ 403): اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في أعطان الإبل فرُوي أن الصلاة لا تصح فيها بحال، وممن رأى أن يُصلي في مرابض الغنم ولا يُصلي في مبارك الإبل؛ ابن عمر، وجابر بن سمرة، والحسن، ومالك، وإسحاق، وأبو ثور. وعن أحمد رواية أخرى: أن الصلاة في هذه صحيحة ما لم تكن نجسة. وهو مذهب مالك وأبي حنيفة اولشافعي. اهـ. وراجع: الفروع لابن مفلح (1/ 371).
وقال ابن حزم في المحلى بالآثار (2/ 342): ولا تحلُّ الصلاة في عطنِ إبلٍ، وهو الموضع الذي تقف فيه الإبل عند ورودها الماء وتبرك وفي المراح والمبيت. اهـ.
وقد التمس الجمهور علّة النهي عن الصلاة في أعطان الإبل واستبعدوا أن يكون النهي لما يكون في معاطن الإبل من أرواثها وأبوالها؛ لأن ذلك مُتحقِّقٌ أيضًا في مرابض الغنم، وقد أُبيحت الصلاة، وحكم أبوالها وأرواثها جميعًا واحد، سواء من جعلها طاهرة أو جعلها نَجِسَةٌ.
واستبعدوا أيضًا أن تكون العلّة أن الصلاة لا تجوز بحذاء البعير؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يُصلي إلى بعيره -رواه الترمذيؤ من حديث ابن عمر (353) وقال: حسن صحيح. والطحاوي في شرح معاني الآثار من حديث عُبادة (1/ 385)-.
وقد ذهب بعضهم إلى أن العِلَّة هي: أن أصحاب الإبل من عادتهم التغوّط بقرب إبلهم والبول، فيُنجِّسُونَ بذلك أعطان الإبل، وأصحاب الغنم من عادتهم تنظيف مواضع غنمهم وترك البول فيه والتغوّط، فأُبيحت الصلاة في مرابضها لذلك؛ فالعلّة هي النجاسة التي تمنع من الصلاة في أيِّ موضع كانت. نقله الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 384) عن شُريك بن عبدالله، ونقله الباجي في المنتقى شرح الموطَّأ (1/ 302) عن ابن القاسم.
وقال الأكثرون إن العلّة هي ما يُخاف من نفارها؛ لأنها خُلقت من الشياطين كما جاء في الحديث، بخلاف الغنم فإنها ذات سكينة. ويؤيد صحّة هذا التعليل ما رواه الشافعي عبدالله بن مغفل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أدركتكم الصلاة وأنتم في أعطان الإبل فاخرجوا منها فصلوا، فإنها جن من جن خُلقت، ألا ترونها إذا نفرت كيف تشمخ بآنافها، وإذا أدركتكم الصلاة وأنتم في مراح الغنم فصلوا فيها فإنها سكينة وبركة).
يقول ابن الأثير في النهاية (3/ 259): لم يُنه عن الصلاة في أعطان الإبل من جهة النجاسة، وإنما أراد أن الإبل تزدحم في المنهل، فإذا شربت رفعت رؤوسها، ولا يؤمن من نفارها وتفرقها في ذلك الموضع فتؤذي المصلي عندها، أو تلهيه عن صلاته، أو تنجسه برشاش أبوالها. اهـ. ونقل الطحاوي هذا التعليل عن يحيى بن آذم في شرح معاني الآثار (1/ 385)، والباجي عن بعض أصحابه في المنتقى (1/ 302).
وأحاديث النهي عن الصلاة في أعطان الإبل ثابتة، ولم يذكر الحنفية دليلًا مُقنعًا لعدم الأخذ بها، والذي يُفهم من كلام الطحاوي أن الحنفية لم يأخذوا بها لمُخالفتها القياس.
قال أبو جعفر الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 384): فذهب قوم إلى أن الصلاة في أعطان الإبل مكروهة، واحتجوا بهذه الآثار، حتى غلط بعضهم في حكم ذلك فأفسد الصلاة، وخالفهم في ذلك آخرون فأجرزوا الصلاة في ذلك الموطن، وكان من الحجة لهم أن هذه الآثار التي نهت عن الصلاة في أعطان الإبل قد تكلم الناس في معناها وفي السبب الذي كان من أجله النهي. اهـ.
ثم ذكر عدة أقوال في علة النهي حتى قال -فيه (1/ 385)-: وأما حُكم ذلك من طريق النظر فإنَّا رأيناهم لا يختلفون في مرابض الغنم وأن الصلاة فيها جائزة، وإنما اختلفوا في أعطان الإبل فقد رأينا حكم لحمان الإبل كحكم لحمان الغنم في طهارتها، ورأينا حكم أبوالها كحكم أبوالها في طهارتها أو نجاستها، فكان يجئ في النظر أيضًا أن يكون حكم الصلاة في موضع الإبل كهو في موضع الغنم قياسًا ونظرًا على ما ذكرنا، وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومُحمد رحمهم الله تعالى. اهـ.
وكما يظهر من كلام الطحاوي فإن الحنفية لم يأخذوا بهذه الأحاديث لمُخالفتها للقياس، وهذا ما أنكره عليهم غيرهم، ونفي الحنفية نظريًّا -أن يكون تقديم القياس على الخبر من أصولهم، ولكن علميًّا نجد لهم فروعًا تثبت ما نفوه كما في هذه المسألة، وهذا ما دعى بعض الناس للتشكك فيما نفوه.
ومع وضوح مُخالفة الحنفية للأحاديث في هذه المسألة مما يدل على صحة ما أورده ابن أبي شيبة عليهم؛ نجد الكوثري يعترض عليه كعادته في ردوده عليه، ومن عجيب ما قال في هذه المسألة في النكت الطريفة ص(14): أن النظر الذي ذكره الطحاوي -يعني مُخالفة الخبر للقياس- يكون علة في الحديث الذي يفرق بين الأعطان والمرابض؛ بحيث إنه لا يقوى لمُعارضة حديث: (جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا). اهـ.
فأما إعلال الحديث بمُخالفة القياس فلا يُوافقه عليه أحد، حتى أصوليو الحنفية أنفسهم، إلا إذا كان الكوثري يرى صحة نسبة معارضة الخبر بالقياس لأبي حنيفة وأصحابه.
وأما ما ادعاه من المعارضة بين الحديثين؛ فلا معارضة بينهما، فحديث: (جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا) عام، وحديث النهي عن الصلاة في معاطن الإبل خاص، والعام لا يتعارض مع الخاص كما هو مُقرر في موضعه من علم الأصول.
***
سادسًا/ مَسْأَلَةُ الصَّلاَةِ عَلَى القَبْرِ وَصَلاَةِ الغَائِبِ
(1) حدثَنَا حفصٌ وابنُ مُسهِرٍ عن الشَّيبَانيِّ عن الشعبيِّ عن ابن عبَّاسٍ قال: صلَّى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- على قبرٍ بعدما دُفِنَ. أخرجه البخاري (1321)، ومُسلم (954).
(2) حَدثنَا هُشَيْمٌ عن عُثمَانَ بن حَكيمٍ عن خَارجَةَ بن زيدٍ عن عمِّهِ يزيدَ بن الثَّابتِ، وكان أكبرَ من زيدٍ: أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- صلَّى على امرأةٍ بعدما دُفنتْ، فصلَّى عليها وكبَّر أربَعًا. أخرجه النسائي (2022)، وابن ماجه (1528).
(3) حدَّثنَا سعيدُ بن يحيى الحِمْيَري عن سُفيَانَ بن حُسَيْنٍ عن الزُّهريِّ عن أبي أُسَامَةَ ابن سهلٍ عن أبيهِ قال: كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يعودُ فُقرَاءَ أهل المدينةِ، ويَشْهَدُ جَنائِزَهُمْ إذا مَاتُوا. قال: فتُوُفِّيَتْ امرأةٌ من أهلِ العَوَالي. قال: فَمَشَى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- إلى قَبْرَهَا وكبَّرَ أربَعًا. أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 494)، والطبراني في معجمه الكبير (6/ 84) رقم(5586)، وابن عبدالبر في التمهيد (6/ 263)، والخطيب في تاريخ بغداد (9/ 75- 76) كلُّهم من طريق أبي سفيان الحميري به.
(4) حَدثنَا الثَّقَفِيُّ عن أَيُّوبَ عن أبي قِلابَةَ عن أبي المُهَلَّبِ عن عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: (إنَّ أخًا لَكُم قد مَاتَ فصلُّوا عليهِ) يعني النَّجَاشِيِّ. أخرجه مسلم (953).
(5) حدَّثنَا عبدُالأَعلَى عن مَعْمَرٍ عن الزُّهرِيِّ عن سعيدِ بنِ المُسيَّبِ عن أبي هُريرةَ: أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- صلَّى على النَّجاشيِّ فكبَّرَ عليهِ أربعًا. أخرجه البخاري (3881)، ومسلم (951).
(6) حَدَّثَنَا يَحيى بنُ آدمَ حدَّثنَا سُفيَانُ بنُ حَيَانَ عن سعدِ بن مينَاءَ عن جابرٍ: أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- صلَّى على ميتٍ بعد ما دُفنَ. أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (12/ 151) رقم(12734).
(7) حدَّثنا يزيدُ بنُ هَارُونَ أخبرنا سَليمُ بن حَيَّانَ عن سَعْدِ بن مِينَاءَ عن جابرٍ: أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- صلَّى على أَصْحَمَةَ وكبَّرَ عليهِ أرْبَعًا. أخرجه البخاري (3879)، ومسلم (952).
وذُكِرَ أن أبَا حنيفَةَ قال: لا يُصلَّى على مَيتٍ مرَّتَيْنِ.
***
تشتمل هذه المسألة على فرعين:
الأول: الصلاة على القبر ويتضمن تكرار الصلاة على الميت.
الثاني: الصلاة على الغائب. ويمكن جعلها شيئًا واحدًا إذا ما اعتبرنا أن الصلاة على الغائب نوعٌ من تكرار الصلاة على الميت.
وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فذهب الحنفية والمالكية إلى عدم مشروعية تكرار الصلاة على الميت، واستثنى أبو حنيفة من ذلك الولي إذا فاتته الصلاة على الميت فله إعادة الصلاة، وذهبا أيضًا إلى عدم مشروعية صلاة الغائب. وذهب الشافعية والحنابلة إلى مشروعية الأمرين.
قال في الهداية: (فإن صلى غير الولي أو السلطان أعاد الولي) يعني إن شاء، لما ذكرنا أن الحق للأولياء، (وإن صلى لم يجُز لأحد أن يصلي بعده)؛ لأن الغرض يتأدى بالأولى، والتنفل بها غير مشروع؛ ولهذا رأينا الناس تركوا عن آخرهم الصلاة على قبر النبي صلى الله عليه وسلم وهو اليوم كما وضع. (وإن دفن الميت ولم يصل عليه؛ صلَّى على قبره)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر امرأة من الأنصار. اهـ. الهداية وشروحها: فتح القدير (2/ 119)، والعناية (2/ 119)، ونصب الراية (2/ 315).
قال السرخسي في المبسوط (2/ 51): وإذا صُلِّيَ على جنازة ثم حضر قوم لم يصلوا عليها ثانية جماعةً ولا وحدانًا عندنا، إلا أن يكون الذين صلوا عليها أجانب بغير أمر الأولياء، ثم حضر الولي فحينئذ له أن يعيدها، وعلى هذا قال علماؤنا رحمهم الله تعالى: لا يُصلَّى على ميت غائب. اهـ. وراجع: بدائع الصنائع (1/ 314).
قال أبو الوليد الباجي في المنتقى شرح الموطّأ (2/ 14): قال ابن القاسم وسائر أصحابنا: يصلى على القبر إذا فاتت الصلاة على الميت، فأما إذا لم تفت فلا يصلي عليه، والدليل على المنع من ذلك أن هذا حكم يجب فيه بعد موته، فوجب أن يتكرر مع بقاء حكم الأصل كالغسل. اهـ. وراجع: مختصر خليل وشروحه: شرح الخرشي (2/ 142)، ومنح الجليل (1/ 526)، والتاج والإكليل (3/ 54).
وجاء في كتاب اختلاف مالك والشافعي مع الأم (7/ 222): سألتُ الشافعي عن الصلاة على الميت الغائب وعلى القبر؛ فقال: أستحبها. قلتُ للشافعي: نحن نكره الصلاة على ميت غائب وعلى القبر. فقال: فقد رويتم عن النبي الصلاة على النجاشي، ورويتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلَّى على ميت وهو في القبر غائب، فكيف كرهتم ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما الصلاة دعاء للميت، وهو إذا كان ملففًا بيننا يصَلى عليه فإنما ندعوا له بوجه علمنا، فكيف لا ندعوا له غائبًا وهو في القبر بذلك الوجه. اهـ. وراجع: المجموع (5/ 205).
قال ابن قدامة في المغني (2/ 195) شارحًا قول الخرقي: (ومن فاتته الصلاة عليه صلى على القبر) وجملة ذلك أن من فاتته الصلاة على الجنازة فله أن يصلي عليها ما لم تدفن، فإن دفنت فله أن يصلي على القبر إلى شهر، هذا قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، رُوي ذلك عن أبي موسى وابن عمر وعائشة رضي الله عنهم وإليه ذهب الأوزاعي والشافعي. وقال النخعي والثوري ومالك وأبو حنيفة: لا تُعاد الصلاة على الميت إلا للولي إذا كان غائبًا، ولا يُصلي على القبر إلا كذلك. اهـ. وراجع: إعلام الموقعين (2/ 263).
مناقشات حول الأدلة:
استدل الشافعية والحنابلة بالأحاديث التي ذكرها ابن أبي شيبة والمُثبَتة لصلاة النبي صلى الله عليه وسلم على قبر بعض الصحابة، وصلاة النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الغائب على النجاشي.
وقد أجاب الحنفية والمالكية عن أحاديث الصلاة على القبر بأمور، منها:
1- أن حق الميت قد تأدى بالصلاة الأولى فلو صلى عليه ثانية كان تنفلًا بالصلاة على الجنازة وذلك غير مشروع، ولو جاز هذا لكان الأَوْلى أن يصلي على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من يرزق زيارته الآن؛ لأنه في قبره كما وضع؛ لأن لحوم الأنبياء حرام على الأرض به ورد الأثر، ولم يشتغل أحد بهذا، فدلَّ أنه لا تُعادُ الصلاة على الميت إلا أن يكون الولي هو الذي حضر، فإن الحق كان له وليس لغيره ولاية إسقاط حقه، وهو تأويل فعل رسول الله صلى الله عليه سولم فإن الحق كان له، قال الله تعالى: (اْلنَّبِيُّ أَوْلَى بِاْلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) [الأحزاب: 6]، وهكذا تأويل فعل الصحابة، فإن أبا بكر رضي الله عنه كان مشغولًا بتسوية الأمور وتسكين الفتنة فكانوا يصلون عليه قبل حضوره، وكان الحق له؛ لأنه هو الخليفة، فلمّا فرغ صلى عليه ثم لم يُصل أحد بعده عليه. راجع: المبسوط (2/ 51)، وفتح القدير (2/ 120)، والمنتقى (2/ 14).
2- أن استدلال الشافعية والحنابلة يستند إلى دعوى أن النبي صلى الله عليه وسلم صَلَّى على قبر كان قد صُلِّي على من دُفِنَ فيهِ، ولا طريق لهم إلى إثبات ذلك؛ بل نحن ندعي أيضًا أنه لم يكن صلى عليه، وإذا تساوى الدعوتان لم يصح الاحتجاج بالخبر الوارد في ذلك. راجع: المنتقى (2/ 14).
3- أن النبي صلى الله عليه وسلم علَّلَ صلاته على القبور بما لا طريق لنا إلى العلم بأن حكم غيره فيه كحكمه فقال: (إن هذه القبور ممتلئة ظُلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم). راجع: المنتقى (2/ 14)، وهذا الحديث رواه مُسلم (2259).
وأجابوا عن الاستدلال بالصلاة على النجاشي بعدة أجوبة أيضًا؛ منها:
1- أن النبي صلى الله عليه وسلم رُفع له سريره فرآه، فتكون الصلاة عليه كميت رآه الإمام ولا يراه المأمومون، وقد ورد ما يدل على ذلك؛ فقد روى ابن حبان في صحيحه (7/ 369) من حديث عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أخاكم النجاشي توفي فقوموا صلُّوا عليه). فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفوا خلفه فكبَّر أربعًا، وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه. راجع: المبسوط (2/ 51).
2- أن الصلاة على النجاشي كانت من باب الضرورة؛ لأنه مات بأرض لم يقم فيها عليه فريضة الصلاة، فتعين فرض الصلاة عليه لعدم من يُصلي عليه ثَمَّ، ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُصَلِّ على غائب غيره، وقد مات من الصحابة خلقٌ كثير، وهم غائبون عنه، وسمع بهم فلم يُصلِّ عليهم، إلا غائبًا واحدًا ورد أن الأرض طُويت له حتى حضره وهو معاوية بن معاوية المُزني. راجع: نصب الراية (2/ 329).
روى الطبراني في المُعجم الأوسط (4/ 163)، ومُسند الشاميين (2/ 12) من طريق نوح بن عمرو بن حوى -ترجم له الذهبي في ميزان الاعتدال (4/ 278) فقال: رُوي عن بقية حديث الصلاة على معاوية بن معاوية المزني قال ابن حبان: يُقال: إنه سرق هذا الحديث. ثم ذكر الذهبي الحديث وقال: هذا حديث مُنكر- ثنا بقية بن الوليد عن محمد بن زياد الألهاني عن أبي أمامة قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك فنزل عليه جبرائيل فقال: يا رسول الله إن معاوية بن معاوية المزني مات بالمدينة أتحب أن أطوي لك الأرض فتُصلي عليه؟ قال: (نعم)، فضرب بجناحه على الأرض فرفع له سريره فصلى عليه وخلفه صفَّان من الملائكة، في كل صفٍّ سبعون ألف ملك ثم رجع، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لجبرائيل: (بِمَ أدرك هذا؟) قال: بحُبِّ سورة: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) وقراءته إيَّاها جائيًا وذاهبًا وقائمًا وقاعدًا وعلى كل حال.
ورواه ابن سَعد في الطبقات من طريقين: عن زيد بن هارون عن العلاء بن زيد الثقفي -العلاء بن زيد أبو محمد الثقفي، قال عنه علي بن المديني: كان يضع الحديث. وقال البخاري والعقيلي وابن عدي: مُنكر الحديث. وقال أبو حاتم وأبو داود: متروك الحديث. وقال ابن حبان: روى عن أنس نسخة موضوعة لا يحل ذكره إلا تعجبًا. راجع: تهذيب الكمال (22/ 506)، والجرح والتعديل (6/ 355)، والتاريخ الكبير (6/ 520)، وكتاب المجروحين (2/ 180)-، عن أنس بن مالك قال: كُنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه. وعن عثمان بن الهيثم عن محبوب بن هلال المزني -محبوب بن هلال قال عنه أبو حاتم: ليس بمشهور. وقال الذهبي: لا يُعرف وحديثه مُنكر. وذكره ابن حبان في الثقات. راجع: الجرح والتعديل (8/ 389)، وميزان الاعتدال (3/ 442)، والثقات (7/ 529)-، عن عطاء ابن أبي ميمونة عن أنس فذكر نحوه. راجع: نصب الراية (2/ 329).
3- إن كان الميت في صلاة الغائب من جانب المشرق، فإن استقبل القبلة في الصلاة عليه كان الميت خلفه، وذلك لا يجوز، وإن استقبل الميت كان مصليًّا لغير القبلة وذلك لا يجوز أيضًا. راجع: المبسوط (2/ 51).
قال النووي في المجموع شرح المهذب (5/ 211): ومذهبنا جواز الصلاة على الميت الغائب عن البلد سواء كان في جهة القبلة أم في غيرها، ولكن المصلي يستقبل القبلة ولا فرق بين أن تكون المسافة بين البلدين قريبة أو بعيدة ولا خلاف في هذا كله عندنا، ومنعها أبو حنيفة، دليلنا حديث النجاشي وهو صحيح لا مطعن فيه، وليس لهم عنه جواب صحيح؛ بل ذكروا فيه خيالات أجاب عنها أصحابنا بأجوبة مشهورة؛ منها قولهم: إنه طويت الأرض فصار بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم. وجوابه: أنه لو فتح هذا الباب لم يبقَ وثوق بشئ من ظواهر الشرع لاحتمال انخراق العادة في تلك القضية، مع أنه لو كان شئ من ذلك لتوفرت الدواعي بنقله، وأما حديث العلاء بن زيد فهو ضعيف ضعّفه الحفاظ ومنهم البخاري في تاريخه والبيهقي، واتفقوا على ضعف العلاء هذا وأنه منكر الحديث. اهـ. وراجع: المنهاج وشروحه: مغني المحتاج (2/ 27)، ونهاية المحتاج (2/ 485)، وتحفة المحتاج (3/ 150).
قال ابن قدامة في المغني (2/ 195): وتجوز الصلاة على الغائب في بلد آخر بالنية فيُستقبل القبلة ويُصلي عليه كصلاته على حاضر، وسواء كان الميت في جهة القبلة أو لم يكن، كان بين البلدين مسافة القصر أو لم يكن. وبهذا قال الشافعي. وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجوز. وحكى ابن أبي موسى عن أحمد رواية أخرى كقولهما؛ لأن من شرط الصلاة على الجنازة حضورها بدليل ما لو كان في البلد لم تجُز الصلاة عليها مع غيبتها عنه، فإن قيل: لم يكن بالحبشة من يصلي على النجاشي، قُلنا: ليس هذا مذهبكم، فإنكم لا تُجيزون الصلاة على الغريض والأسير ومن مات بالبوادي، وإن كان لم يُصل عليه ولأن هذا بعيد؛ لأن النجاشي ملك الحبشة وقد أسلم وظهر إسلامه فيبعد أن يكون لم يوافقه أحد يصلي عليه. اهـ. وراجع: الفروع (2/ 251).
ويُتلخّص مما سبق أن سبب الخلاف هو تأويل أحاديث الصلاة على القبر وصلاةا لغائب، فعمل بظاهرها الشافعية والحنابلة، وتأولها الحنفية والمالكية على عدّة وجوه، واستدلوا لصحة هذا التأويل بأدلة نقلية ولكنها لا ترقى لرُتبة الاحتجاج، ومن المعلوم أن الخلاف في تأويل الحديث لا يعتبر مُخالفة له؛ ومن ثمَّ فأرى أنه لا وجه للحُكم على الحنفية بمُخالفة الحديث في هذه المسألة.
***
سابعًا/ مَسْأَلَةُ صَلاَةِ المُنْفَرِدِ خَلْفَ الصَّفِّ
(1) حدَّثَنَا ابنُ إدريسَ عن حُصَينٍ عن هِلالِ بن يَسَافٍ قال: أخَذَ بيدي زيادُ ابنُ أبي الجُعدِ فأَوْقَفَنِي على شَيخٍ بالرَّقَّةِ يُقال لهُ: وَابِصَةُ بنُ مَعْبَدٍ. قال: صلَّى رجلٌ خَلْفَ الصَّفِّ وحدَهُ فأمَرَهُ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أن يُعيدَ. أخرجه ابن ماجه (1057)، والترمذي (230) وقال: حديث حسن.
(2) حَدثنَا مُلازِمُ بن عمرٍو عن عبدِاللهِ بن بَدْرٍ قال: حدَّثنِي عبدُالرَّحمنِ بن عليِّ بن شَيبَانَ عن أبيهِ عليِّ بنِ شَيْبَانَ، وكان مِنَ الوَفْدِ قال: خَرَجْنَا حتَّى قَدِمْنَا على نبيِّ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فبَايَعنَاهُ وَصَلِّينَا خَلْفَهُ، فَرَأى رَجُلًا يُصَلِّي خلفَ الصُّفُوفِ. قال: فوَقَفَ عليهِ نبيُّ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- حتَّى انصَرَفَ، فقال: (استَقْبِلْ صَلاتَكَ، فَلا صَلاةَ لِلَّذِي خَلْفَ الصَّفِّ). أخرجه ابن ماجه في سُننه (1056)، وأمد في مُسنده (4/ 23) ،والبيهقي في سننه الكبرى (3/ 105).
وذُكر أن أبا حنيفةَ قال: تُجْزِئُهُ صَلاتُهُ.
***
اختلف الفقهاء في حُكم صلاة المُنفرد خلف الصف دون عذر:
فذهب جمهور الفقهاء -الحنفية والمالكية والشافعية- إلى صحة الصلاة مع الكراهة، وتنتفي الكراهة بوجود العذر. وذهب الحنابلة والظاهرية إلى بُطلان صلاة من صلى ركعة كاملة خلف الصف منفردًا دون عذر.
قال السرخسي في المبسوط (1/ 192): (وإذا انفرد المُصلي خلف الإمام عن الصف لم تفسد صلاته) وقال أهل الحديث منهم أحمد بن حنبل رحمه الله: تفسد صلاته. ولكن الأَوْلَى عندنا أن يختلط بالصف إن وجد فُرجة، وإن لم يجد وقف ينتظر من يدخل فيصطفان معه، فإن لم يدخل أحد وخاف فوت الركعة جذب من الصف إلى نفسه من يعرف منه علمًا وحُسن الخلق لكي لا يصعب عليه فيصطفان خلفه، فإن لم ينجر إليه أحد فحينئذ يقف خلف الصف بحذاء الإمام لأجل الضرورة. اهـ.
قال أبو جعفر الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 393): فذهب قومٌ إلى أن من صلى خلف صف منفردًا، فصلاته باطلة واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: من فعل ذلك فقد أساء، وصلاته مُجزئة عنه. وقالوا: ليس في هذه الآثار ما يدل على خلاف ما قلنا. إلى آخر ما ذكره من الأدلة حتى قال: وكل ما بيّنا في هذا الباب من هذا ومن إجازة صلاة من صلى خلف الصف هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى. اهـ.
جاء في المدونة (1/ 194): قال مالك: من صلى خلف الصفوف وحده فإن صلاته تامة مُجزئة عنه ولا يجذب إليه أحدًا. قلتُ: فهل كان مالك يرى بأسًا أن يقف الرجل وحده خلف الصف فيُصلي بصلاة الإمام؟ قال: لا بأس بذلك وهو الشأن عنده. قال ابن القاسم: فقُلتُ لمالك: أفيجذب إليه رجلًا من الصف؟ قال: لا وكَرِهَ ذلك. اهـ. وراجع: التاج والإكليل (2/ 458)، وشرح الخرشي (2/ 2)، ومواهب الجليل (2/ 112)، ومنح الجليل (1/ 159).
قال النووي في المجموع شرح المهذب (4/ 189): لو صلَّى مُنفردًا خلف الصف مع تمكّنه من الصف كره، وصحّت صلاته، وإذا وجد الداخل في الصف فُرجة أو سعة دخلها، وله أن يخرق الصف المتأخرإذا لم يكن فيه فرجة وكانت في صف قدامه لتقصيرهم بتركها، فإن لم يجد فرجة ولا سعة ففيه خلاف حكوه وجهين، والصواب أنه قولان: أحدهما: يقف مُنفردًا ولا يجذب أحدًا. والثاني: وهو الصحيح وقطع به جمهور أصحابنا: أنه يُستحب أن يجذب إلى نفسه واحدًا من الصف ويُستحب للمجذوب مساعدته. اهـ. وراجع: المنهاج وشروحه: مُغني المحتاج (1/ 493)، ونهاية المحتاج (2/ 196)، وتحفة المحتاج (2/ 311).
قال ابن قدامة في المغني (2/ 22) شارحًا قول الخرقي: (ومن صلى خلف الصف وحده، أو قام بجنب الإمام عن يساره أعاد الصلاة) وجُملته أن مَن صلى وحده ركعة كاملة لم تصح صلاته وهذا قول النخعي، والحَكَم، والحسن بن صالح، وإسحاق، وابن المنذر. وأجازه الحسن، ومالك، والأوزاعي، والشافعي وأصحاب الرأي. اهـ. وراجع: إعلام الموقعين (2/ 258)، والفتاوى الكبرى (2/ 325).
قال أبو محمد ابن حزم في المُحلَّى بالآثار (2/ 372):وأيّما رجل صلى خلف الصف بطُلت صلاته، ولا يضر ذلك المرأة شيئًا، فإن لم يجد في الصف مدخلًا فليجتذب إلى نفسه رجلًا يُصلي معه، فإن لم يقدر فليرجع، ولا يصلي وحده خلف الصف إلا أن يكون ممنوعًا فيُصلي وتُجزئه. اهـ.
-أدلة الجمهور:
1- روى البخاري (791) عن أبي بكرة: أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف فذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (زادك الله حرصًا ولا تعد).
قال الشافعي -كما في اختلاف الحديث بهامش الأم (8/ 636)-: فكأنه أحب له الدخول في الصف، ولم يرَ عليه العجلة بالركوع حتى يلحق بالصف، ولم يأمره بالإعادة؛ بل فيه دِلالة على أنه رأى ركوعه مُنفردًا مجزئًا عنه. اهـ.
وقال الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 593): ففي هذا الحديث أنه ركع دون الصف، فلم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بإعادة الصلاة، فلو كان من صلى خلف الصف لا تُجزئه صلاته، لكان من دخل في الصلاة خلف الصف لا يكون داخلًا فيها. ألا ترى أن من صلى على مكان قذر أن صلاته فاسدة؟ ومن افتتح الصلاة على مكان قذر ثم صار إلى مكان نظيف أن صلاته فاسدة؟. فكان كل من افتتح الصلاة في موطن لا يجوز له فيه أن يأتي بالصلاة بكاملها، لم يكن داخلًا في الصلاة، فلما كان دخول أبي بكرة في الصلاة دون الصف دخولًا صحيحًا كانت صلاة المُصلي كلها دون الصف صلاة صحيحة. فإن قال قائل: فما معنى قوله: (ولا تعد). قيل له: ذلك -عندنا- يحتمل معنيين: يحتمل: ولا تعد أن تركع دون الصف حتى تقوم في الصف، ويحتمل: لا تعد أن تسعى إلى الصلاة سعيًا يحفزك فيه النفس. اهـ.
2- ما رواه البخاري (382)، ومسلم (1531) عن أنس بن مالك: أن جدته مُليكة دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعته له، فأكل منه ثم قال: (قوموا فلأصل بكم). قال أنس: فقمتُ إلى حصير لنا قد أسود من طول ما لُبِسَ فنضحته بماء فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصففت واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا. فصلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين.
قال الشافعي -كما في اختلاف الحديث (8/ 636)-: فأنس يحكي أن امرأة صلَّت مُنفردة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فرق في هذا بين امرأة ورجل، فإذا أجزأت المرأة صلاتها مع الإمام منفردة، أجزأ الرجل صلاته مع الإمام منفردًا كما تجزئها هي صلاتها. اهـ.
ولأجل هذه الأدلة حمل الجمهور الأمر الوارد بإعادة صلاة المنفرد خلف الصف على الاستحباب جمعًا بين الأدلة، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة للذي خلف الصف)، أي لا صلاة كاملة لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة بحضرة الطعام) -أخرجه مسلم(1274)-.
-أدلة الحنابلة والظاهرية:
1- حديث وابصة ب معبد، وهو حديث اختُلِف في إسناده، فرواه حصين عن هلال بن يساف عن زياد بن أبي الجعد عن وابصة -وقد سبق تخريج هذا الحديث في أول المسألة-. ورواه عمرو بن مُرة عن هلال بن يساف عن عمرو بن راشد عن وابصة -أخرجه أبو داود (682)، والترمذي (231)-، وقد رجَّح الترمذي طريف حصين؛ لأنه رُوي من غير وجه عن هلال عن وابصة. ورجَّح أبو حاتم طريق عمرو بن مرة؛ لأنه أحفظ -انظر: العلل لابن أبي حاتم (1/ 100)-.
وقال ابن حبان (5/ 578- 579): سمع هذا الخبر هلال بن يساف عن عمرو بن راشد عن وابصة بن معبد، وسمعه من زياد بن أبي الجعد عن وابصة، والطريقان جميعًا محفوظان. وليس هذا الخبر مما تفرَّد به هلال بن يساف.. ثم أخرجه من طريق يزيد بن زياد بن أبي الجعد عن عمه عُبيد بن أبي الجعد عن أبيه زياد بن أبي الجعد عن وابصة. اهـ.
وزياد بن أبي الجعد -راجع ترجتمه في تهذيب الكمال (9/ 444)، والجرح والتعديل (3/ 531)، والتاريخ الكبير (3/ 347)، والثقات لابن حبان (4/ 253)، وتقريب التهذيب (2062)-، وعمرو بن راشد -راجع ترجمته في تهذيب الكمال (22/ 17)، والجرح والتعديل (6/ 232)، والتاريخ الكبير (6/ 330)، والثقات لابن حبان (5/ 175)، وتقريب التهذيب (5027)-، كلاهما مقبول الحديث، فحديث وابصة حسن كما قال الإمام أحمد، وقال ابن المُنذر: ثَبَّتَ الحديثَ أحمدُ وإسحاقُ. اهـ. وراجع: المغني (2/ 22).
2- حديث علي بن شيبان ورجاله ثقات، ولا خلاف على الاحتجاج به.
وقد استدل الحنابلة والظاهرية بالأمر بإعادة صلاة المنفرد خلف الصف الوارد في حديث وابصة بن معبد وعلي بن شيبان وجعلوا الأمر للوجوب؛ ومن ثمَّ حكموا ببطلان صلاة المنفرد خلف الصف، وكذا حملوا قوله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة للذي خلف الصف) على حقيقته ولم يتأولوه، كما أجابوا على أدلة الجمهور.
قال ابن قدامة مُجيبًا على حديث أبي بكرة: فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهاه فقال: (لا تعد) والنهي يقتضي الفساد، وعَذَرَهُ فيما فعله لجهله بتحريمه، وللجهل تأثير في العفو. اهـ. وأجاب عن حديث أنس بقوله: ولا يلزم من كونه موقفًا للمرأة كونه موقفًا للرجل، بدليل اختلافهما في كراهية الوقوف واستحبابه. اهـ. راجع: المغني (2/ 22).
وهكذا نجد أن الخلاف في هذه المسألة بين الفقهاء الذين ينظرون في الأدلة مُجتمعة ويوفقون بينها، وبين المحدثين الذين يعملون بظواهر النصوص، فهو مثال للخلاف المنهجي بين الفريقين، ولا شك أن أدلة الحنفية في هذه المسألة أقوى ثبوتًا وأدق نظرًا، وقد وافقهم جمهور الفقهاء، فدعوى ابن أبي شيبة في مُخالفة أبي حنيفة للأثر مردودة.
***
ثامنًا/ مَسْأَلَةُ قَضَاءِ الصَّلاَةِ
(1) حَدثنَا هُشيمٌ عن أَيُّوبَ عن أبي العَلاءِ حدَّثنا قَتَادةُ عن أنسٍ قال: قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ نَسِي صَلاةً أو نَامَ عنهَا فكَفَّارتُهُ أن يُصلِّيهَا إذا ذَكَرَهَا). أخرجه البخاري (598)، ومسلم (684).
(2) حدَّثنا غُنْدَرٌ عن شُعْبَةَ عن جَامِعِ بن شَدَّادٍ قال: سمعتُ عبدَالرَّحمنِ بن أبي عَلْقَمَةَ قال: سمعتُ عبدَاللهِ بن مَسعُودٍ قال: أقبَلْنَا معَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- من الحُدَيْبِيَةِ فَذَكَرُواْ أَنَّهُمْ نَزَلُواْ دَهَاسًا مِن الأرضِ يعني بالدَّهَاِ الرَّمْلَ قال: فقال رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ يَكْلَؤُنَا؟). قال: فقال بِلالٌ: أَنَا. فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (إذًا نَنَمْ). قال: فنَامُواْ حتَّى طَلَعَت الشَّمسُ. قال: فاستَيْقَظَ أُنَاسٌ فيهم فُلانٌ وفُلانٌ وفيهم عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ. قال: فقُلنا: اهضِبُواْ يعني تَكَلَّمُواْ. قال: فاستيقَظَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فقالَ: (افعَلُواْ كمَا كُنتُم تَفعَلُونَ). قال: فَفَعَلْنَا. قال: فقالَ: (كذلكَ لِمَنْ نامَ أو نَسِيَ). أخرجه أبو داود (447)، والنسائي في الكبرى (8853).
(3) حَدثَنَا الفَضْلُ بنُ دُكَيْنٍ عن عبدِالجَبَّارِ بن عَبَّاسٍ عن عَوْنِ بن جُحَيفَةَ عن أبِيهِ قال: قال رسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لِلَّذِينَ نَامُواْ مَعَهُ حتَّى طَلَعَتِ الشَّمسُ فقالَ: (إنَّكُم كُنتُمْ أَمْوَاتًا فَرَدَّ اللهُ إليكُم أَروَاحضكُم، فمَن نامَ عن صَلاةٍ أو نَسِيَ صَلاةً فَليُصَلِّهَا إذا ذَكَرَهَا وإذا اسْتَيقَظَ). أخرجه أبو يعلى في مسنده (2/ 192) رقم(895)، والطبراني في المعجم الكبير (22/ 107)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (1/ 322) وقال: رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير ورجاله ثقات.
(4) حدَّثَنَا ابنُ فُضَيْلٍ عن أبِي إِسمَاعِيلَ عن أبِي حَازِمٍ عن أبي هُرَيْرَةَ قال: عَرَّسْنَا مَعَ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- ذاتَ ليلةٍ فلَم نَستيقِظْ حتَّى آذَتْنَا الشَّمْسُ، فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (ليَأخُذْ كُلُّ رَجُلٍ مِنكُم برأسِ راحِلَتِهِ ثُمَّ يَتَنَحَّ عن هّذا المَنزِلِ). ثمَّ دَعَا بالمَاءِ فتَوضَّأَ فسَجَدَ سجدَتَيْنِ ثمَّ أُقِيمَتْ الصَّلاةُ فَصَلَّى. أخرجه مسلم (680).
وذُكِرَ أنَّ أبَا حَنِفَةَ قال: لا يُجزِئُهُ أن يُصلِّيَ إذا استيقَظَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمسِ أو عندَ غُرُوبِهَا.
***
يحسُن بنا قبل الخوض في تفاصيل المسألة أن نذكر الساعات التي نهي عن الصلاة فيها لتعلق المسألة بها.
1- روى ابن عباس قال: (شهد عندي رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس). أخرجه البخاري (581)، ومسلم (826).
2- وعن عُقبة بن عامر قال: (ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نُصلي فيهن أو أن نقبر فيها موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب). أخرجه مسلم (831).
3- وعن عمرو بن عبسة قال: قلت: يا رسول الله أخبرني عن الصلاة، قال: (صل صلاة الصبح، ثم اقصر عن الصلاة حين تطلع الشمس حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار، ثم صلِّ فإن الصلاة محضورة مشهودة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة فإن حينئذ تسجر جهنم فإذا أقبل الفئ فصل، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار). أخرجه مسلم (832).
فالأوقات التي نُهِيَ عن الصلاة فيها خمس: اثنتان نُهي عنهما من أجل الفعل وهُما بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد صلاة العصر حتى تغرب، ومعنى ذلك أن وقت الكراهة لا يدخل لمُجرد الزمان، وإنما يدخل إذا فعل فريضة الصبح وفريضة العصر.
وثلاث نُهي عنها من أجل الوقت: عند طلوع الشمس إلى أن ترتفع بمقدار رمح أو رمحين، وعند استوائها في وسط السماء حتى تزول، وعند اصفرارها بحيث لا تتعب العين في رؤيتها إلى أن تغرب، ومعنى ذلك أن الكراهة فيها تتعلق بمُجرد الزمان.
وإنما كانت هذه الأوقات أوقات كراهة؛ لأن الشمس تطلع وتستوي وتصفر بين قرني الشيطان، فتكون الصلاة في هذه الأوقات تشبّهًا بمن يعبدون الشمس؛ لأنهم يعبدونها في هذه الأوقات، ويدل على ذلك ما أخرجه مالك في الموطأ (1/ 220) والنسائي في الكبرى (1/ 482) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، ثم إذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في تلك الساعات).
واستثنى المالكية من هذه الأوقات وقت الاستواء فلا تُكره الصلاة فيه عندهم، وحجتهم في ذلك عمل أهل المدينة فإنهم كانوا يصلون في وقت الاستواء، وعمل أهل المدينة حجة عند مالك؛ لأن المدينة موطن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، والوحي كان ينزل بين ظهرانيهم.
واستثنى الشافعية من كراهة الصلاة في هذه الأوقات الصلاة بمكة ويوم الجمعة عند الاستواء، أما في مكة فلقوله صلى الله عليه وسلم: (يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار) -أخرجه أبو داود (1894)، والترمذي (877)، والنسائي (585)، وابن ماجه (1254)-.
وأما يوم الجمعة عند الاستواء فلِمَا رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة، قال: (إن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة) -أخرجه أبو داود (1083) قال أبو داود: هو مُرسل. أي منقطع، وله طرق أخرى بالسنن الكبرى للبيهقي (2/ 464)-.
ولا يعلم خلاف بين الفقهاء في كراهة التطوع المطلق في هذه الأوقات. أما السنن فقد ذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى كراهتها، وعن مالك روايتان: إحداهما: إباحة السنن في هذه الأوقات، إلا تحية المسجد فإنها مكروهة عنده، والثانية: كراهة السنن مطلقًا في هذه الأوقات. وأجاز الشافعية صلاة الكسوف وتحية المسجد وكل ما له سبب متقدم عليه. وأجاز الحنابلة ركعتي الطواف.
وأما حكم صلاة الفرض والواجب في هذه الأوقات، فقد ذهب الحنفية إلى أنه تُباح الفوائت بعد الصبح والعصر، ولا تُباح في الأوقات الثلاثة إلا عصر يومه فتُباح عند اصفرار الشمس وذهب جمهور الفقهاء -المالكية والشافعية والحنابلة- إلى جواز قضاء الصلاة الفائتة في هذه الأوقات. وراجع: الموسوعة الفقهية (7/ 180)، والمنتقى شرح الموطأ (1/ 362)، والمجموع شرح المهذب.
فقد فرَّق الحنفية بين الأوقات التي نُهي عن الصلاة فيها من أجل الفعل فكرهوا صلاة السنة فيها وجوَّزواْ قضاء الفوائت وصلاة الجنازة وسجدة التلاوة، وأما الأوقات التي نُهي عن الصلاة فيها من أجل الوقت فلم يُجوِّزوا فيها فرضًا ولا نفلًا إلا عصر يومه.
قال صاحب الهداية: ولا تجوز الصلاة عند طلوع الشمس ولا عند قيامها في الظهيرة ولا عند غروبها، ولا صلاة جنازة ولا سجدة تلاوة إلا عصر يومه عند الغروب، ويُكره أن يتنفل بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب، ولا بأس بأن يُصلي في هذين الوقتين الفوائت ويسجد للتلاوة ويُصلي على الجنازة. اهـ. راجع: الهداية وشروحها: فتح القدير (1/ 232)، والعناية (1/ 232)، ونصب الراية (1/ 353).
ورُوي عن أبي يُوسف أنه وافق الشافعي في إباحة النفل يوم الجمعة وقت الزوال وقال: للناس بلوى في تحية المسجد عند الزوال يوم الجمعة. راجع: فتح القدير (1/ 233)، وبدائع الصنائع (1/ 295)، وشرح معاني الآثار (1/ 146، 371، 399).
قال السرخسي: واعلم بأن الأوقات التي تُكره فيها الصلاة خمسة: ثلاثة منها لا يُصلَّى فيها جنس الصلوات عند طلوع الشمس إلى أن تبيض وعند غروبها إلا عصر يومه فإنه يؤديها عند الغروب، والأمكنة في هذا النهي سواء عندنا لعموم الآثار، وفي هذه الأوقات الثلاثة لا تُؤدى الفرائض عندنا. وقال الشافعي: النهي عن أداء النوافل فأما الفرائض فلا بأس بأدائها في هذه الأوقات لقوله صلى الله عليه وسلم: (من نام عن صلاة أو نسيها فليُصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها). ولنا حديث ليلة التعريس. وإنما انتقل من ذلك الوادي؛ لأنه أراد أن ترتفع الشمس فلو جاز الفجر المكتوبة في حال طلوع الشمس لما أخر بعد الانتباه والآثار المرويّة في النهي عامة في جنس الصلوات وبها يثبت تخصيص هذه الأوقات من الحديث الذي رواه الخصم. اهـ. راجع: فتح القدير (1/ 234)، والمجموع (4/ 77).
استدل الحنفية بالأحاديث الصحيحة التي ذكرناها في النهي عن الصلاة بعد طلوع الشمس وعند استوائها وعند غروبها على عدم جواز الصلاة في هذه الأوقات، وأن هذه الأحاديث تشمل بعمومها جميع الصلوات حتى قضاء الفوائت.
واستدل الجمهور بالأحاديث الصحيحة التي ذكرها ابن أبي شيبة وغيرها على جواز قضاء الفوائت في أي وقت عند التذكر، وأن هذه الأحاديث تشمل بعمومها جميع الأوقات حتى أوقات النهي. وتمسك كل فريق بعموم أدلته وادعى تخصيص أدلة المخالف بأدلته، فادعى الحنفية تخصيص عموم الوقت، أي إخراج الأوقات الثلاثة من عموم وقت التذكر في حق الصلاة الفائتة، وادعى الجمهور تخصيص عموم الصلاة، أي إخراج الفوائت من عموم منع الصلاة في الأوقات الثلاثة. راجع: المبسوط (1/ 150).
إذًا فالخلاف في المسألة من باب تعارض العمومات، وهو مما تختلف فيه أنظار المجتهدين في كيفية الجمع بينها وتقديم أي منهما على الآخر، ولا ينبغي والخلاف هكذا أن يرمي أحد الفريقين الآخر بمخالفة الحديث، فكل فريق تمسك بالحديث على حسب ما ترجح لديه، وعليه فإن ابن أبي شيبة لم يكن محقًّا فيما ادعاه من مخالفة أبي حنيفة لظاهر الأثر في هذه المسألة.
***
تاسعًا/ مَسْأَلَةُ سَجْدَتِيْ السَّهْوِ
(1) حَدثنَا جَريرٌ عن مَنصُورٍ عن إبراهيمَ عن عَلقَمَةَ عن عبدِاللهِ قال: صلَّى رسُول الله -صلى الله عليه وسلم- صَلاةً فَزَادَ أَو نَقَصَ، فلمَّا سلَّمَ وأَقبَلَ على القَومِ بوجهِهِ قالُوا: يا رسُولَ اللهِ، اَحدَثَ في الصَّلاةِ شئٌ؟ قال: (ومَا ذَاكَ؟). قالوا: صلِّيت كَذا وكَذا، فثَنَى رِجْلَهُ فسَجَدَ سَجدَتَينِ ثمَّ سَلَّمَ ثمَّ سلَّمَ وأقبَل على القومِ بوجههِ فقال: (إِنَّهُ لو حَدَثَ في الصَّلاةِ شئٌ أَنبَأتُكُم بهِ، ولكنِّي بَشَرٌ أنسَى كما تنسَونَ، فإذَا نَسيتُ فذَكِّرونِي، وإذا شكَّ أحَدُكُم في صَلاتِهِ فليَتَحَرَّ الصَّوابَ فليُتِمَّ عليهِ، فإذا سلَّم سَجَدَ سجدتينِ). أخرجه البخاري (401)، ومسلم (572).
(2) حدَّثنَا غُندَرٌ عن شُعبَةَ عن الحَكَم عن إبراهِيمَ عن عَلقَمَةَ عن عبدِاللهِ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: أنَّهُ صلَّى الظُّهرَ خمسًا، فقيلَ لهُ: إنَّك صلَّيتَ خمسًا، فسَجَدَ سجدتينِ بعدَمَا سَلَّمَ. أخرجه البخاري (1226)، ومسلم (572).
وذُكِرَ أن أبَا حنيفةَ قال: إذا لم يَجْلِسْ في الرَّابِعَةِ أعَادَ الصَّلاةَ.
***
اتفق فقهاء المذاهب على أن المصلي إذا صلى رباعية فنسي وقام إلى خامسة، فإن ذكر قبل السجود فيها عاد إلى الجلوس وتشهد وسجد للسهو وسلم، وإن ذكر بعد السجود فقال المالكية والشافعية والحنابلة: إنه يتشهد ويسجد للسهو ويسلم، وصحت صلاته فرضًا. وقال أبو حنيفة: إن جلس بعد الرابعة قدر التشهد تمت صلاته بذلك؛ لأن السلام عنده ليس بشرط وتكون الخامسة نافلة فتضم إليها أخرى، وإن لم يجلس عقب الرابعة بطلت فريضته بقيامه إلى الخامسة، وتضم إليها أخرى وتكون نفلًا.
قال صاحب الهداية: (وإن سها عن القعدة الأخيرة حتى قام إلى الخامسة رجع إلى القعدة ما لم يسجد)؛ لأن فيه إصلاح وأمكنه ذلك؛ لأن ما دون الركعة بمحل الرفض. قال: (وألغى الخامسة)؛ لأنه رجع إلى شئ محله قبلها فترتفض (وسجد للسهو)؛ لأنه أخَّر واجبًا. (وإن قيَّد الخامسة بسجدة بطل فرضه عندنا) خلافًا للشافعي رحمه الله؛ لأنه استحكم شروعه في النافلة قبل إكمال أركان المكتوبة، ومن ضرورته خروجه عن الفرض، وهذا؛ لأن الركعة بسجدة واحدة صلاة حقيقة حتى يحنث بها في يمينه: لا يصلي (وتحولت صلاته نفلًا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله) خلافًا لمحمد رحمه الله على ما مرَّ -لا يرى محمد بن الحسن أن يشفع الخامسة بركعة؛ لأنه بالفساد يصير خارجًا من الصلاة؛ لأن للصلاة عنده جهة واحدة، ولأن ترك القعدة في كل شفع عنده مُفسد للصلاة، فأما عندهما فتفسد الفريضة ويبقى أصل الصلاة تطوعًا فيشفعها بركعة واحدة؛ لأن ترك القعدة عقيب كل شفع عندهما غير مُفسِد للتطوع. راجع: المبسوط (1/ 277)- (فيضم إليها ركعة سادسة ولو لم يضم لا شئ عليه)؛ لأنه مظنون. (ولو قعد في الرابعة ثم قام ولم يُسلم عاد إلى القعدة ما لم يسجد للخامسة وسلم)؛ لأن التسليم في حالة القيام غير مشروع، وأمكنه الإقامة على وجهه بالقعود؛ لأن ما دون الركعة بمحل الفرض. (وإن قيد الخامسة بالسجدة ثم تذكر ضم إليها ركعة أخرى وتم فرضه)؛ لأن الباقي إصابة لفظة السلام وهي واجبة، وإنما يضم إليها أخرى لتصير الركعتان نفلًا؛ لأنا لركعة الواحدة لا تُجزئه؛ لنهيه -عليه الصلاة والسلام- عن البتيراء، ثم لا تنوبان عن سنة الظهر، هو الصحيح؛ لأن المواظبة عليها بتحريمه مبتدأة (ويسجد للسهو استحسانًا) لتكطم النقصان في الفرض بالخروج لا على الوجه المسنون، وفي النفل بالدخول لا على الوجه المسنون، ولو قطعها لم يلزمه القضاء؛ لأنه مظنون. راجع: الهداية وشروحها: فتح القدير (1/ 508)، والعناية (1/ 508)، ونصب الراية (2/ 200).
وقد تأوَّل الحنفية الحديث: بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قعد قدر التشهد في الرابعة، بدليل أن الراوي قال: صلى الظهر. والظهر اسم لجميع أركان الصلاة ومنها القعدة، وهو الظاهر فإنما قام إلى الخامسة على تقدير أنها هي القعدة الأولى، حملًا لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما هو أقرب للصواب. راجع: المبسوط (1/ 227)، وبدائع الصنائع (1/ 178).
جاء في المدونة (1/ 218/ ): قال مالك: لو أن رجلًا صلى المكتوبة أربعًا فظن أنه صلى ثلاثًا فأضاف إليها ركعة، فلما صلى الخامسة بسجدتيها ذكر أنه قد كان أتم صلاته، قال: يرجع ويجلس ويضيف إليها ركعة أخرى ثم يسلم ويسجد لسهوه بعد السلام. قال: وإن كان لم يصل من الخامسة إلا أنه ركع وسجد سجدة رجع أيضًا فجلس وسلم وسجد لسهوه. اهـ.
قال النووي في المجموع شرح المهذب (4/ 74): إذا صلى رباعية فنسي وقام إلى خامسة، فإن ذكر قبل السجود فيها عاد إلى الجلوس وتشهد وسجد للسهو وسلم، وهذا مجمع عليه، وإن ذكر بعد السجود فمذهبنا: أنه يتشهد ويسجد للسهو ويسلم وصحت صلاته فرضًا، وقال أبو حنيفة: إن جلس بعد الرابعة قدر التشهد تمت صلاته بذلك؛ لأن السلام عنده ليس بشرط وتكون الخامسة نافلة فتُضم إليها أخرى، وإن لم يجلس عقب الرابعة بطلت فريضته بقيامه إلى الخامسة، وتضم إليها أخرى ولا يكون نفلًا، وهذا الذي قالوه تحكم لا أصل له. اهـ. وراجع: الأم (1/ 157)، ومُختصر المزني (8/ 110).
قال ابن قدامة في المغني (1/ 383): قوله: (أو صلى خمسًا) يعني في صلاة رباعية فإنه متى قام إلى الخامسة في الررباعية، أو إلى الرابعة في المغرب، أو إلى الثالثة في الصبح، لزمه الرجوع متى ما ذكر فيجلس، فإن كان قد تشهد عقيب الركعة التي تمت بها صلاته سجد للسهو ثم يسلم، وإن كان تشهد ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليه ثم سجد للسهو وسلم، وإن لم يكن تشهد تشهد وسجد للسهو ثم سلم. فإن لم يذكر حتى فرغ من الصلاة، سجد سجدتين عقيب ذكره، وتشهد وصلاته صحيحة. وبهذا قال علقمة، والحسن، وعطاء، والزهري، والنخعي، ومالك، والليث، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور.
ثم قال ردًّا على تأويل الحنفية للحديث بأنه كان قعد في الرابعة: والظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجلس عقيب الرابعة؛ لأنه لم ينقل، ولأنه قام إلى الخامسة معتقدًا أنه قام عن ثالثة ولم تبطل صلاته بهذا، ولم يضف إلى الخامسة أخرى. اهـ.
ومذهب الجمهور أقرب للعمل بما دلَّ عليه ظاهر الحديث، ولا ريب أن ما لا يحتاج إلى تأويل أَوْلَى مما يحتاج إليه، ولكن من تأوَّل الحديث لا يُقال في حقِّهِ إنه خالف الحديث فلم يُصب ابن أبي شيبة فيما قاله من مُخالفة أبي حنيفة للحديث في هذه المسألة.
***
عاشرًا/ مَسْأَلَةُ جَمْعِ وَتَقْدِيمِ الصَّلَوَاتِ المَكْتُوبَةِ
(1) حدَّثنَا ابنُ عُيَيْنَةَ عن عمرٍو عن جَابِرِ بنِ زَيدٍ عن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم- ثَمَانِيًا جَميعًا وسَبعًا جَميعًا. قال: قُلتُ: يا أَبَا الشَّعثَاءِ، أظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ وعَجَّلَ العَصْرَ، وأَخَّرَ المَغرِبَ وعَجَّلَ العِشَاءَ. قال: وأنَا أظُنُّ ذلكَ. أخرجه البخاري (1174)، ومسلم (705).
(2) حَدثنَا ابنُ عُيَيْنَةَ عن الزُّهرِيِّ عن سَالمٍ عن أبِيهِ: أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كانَ إذا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ المَغرِبِ والعِشَاءِ. أخرجه البخاري (1106)، ومسلم (703).
(3) حّدثَنَا وَكِيعٌ عن سُفيَانَ عن أبِي الزُّبَيرِ عن أبي الطُّفَيْلِ عن مُعَاذِ بن جَبَلٍ: أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- جَمَعَ بينَ الظُّهرِ والعَصرِ والمغرِبِ والعِشَاءِ في السَّفَرِ في غَزوَةِ تَبُوك. أخرجه مسلم (706).
(4) حدَّثنا ابنُ مُسْهِرٍ عن ابِ أبي لَيلَى عن عَطَاءٍ عن جَابرٍ قال: جَمَعَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في غَزوَةِ تَبُوكَ بين الظُّهرِ والعَصرِ وبينَ المَغرِبِ والعِشَاءِ. رواه ابن عبدالبر في التمهيد (2/ 341) من طريق ابن أبي شيبة. وابن حبان في صحيحه (6/ 456) من طريق عبدالرحمن بن ثوبان عن جابر.
(5) حّدثنَا يَزيدُ عن مُحمَّدِ بن إسحاقَ عن حَفصِ بنِ عُبيدِاللهِ بنِ أنَسٍ قالَ: كُنَّا نُسَافِرُ معَ أَنَسٍ إلى مَكَّةَ، فكانَ إذا زَالَتْ الشَّمسُ وهُوَ في مَنزِلٍ لَمْ يَركَبْ حتَّى يُصَلِّي الظُّهرَ، فإِذا رَاحَ فحَضَرَتِ العصرُ صلَّى العصرَ، فإِنْ سَارَ مِن منزلِهِ قبلَ أن تَزُولَ الشَّمسُ فحضرَتْ الصَّلاةُ قُلنَا: الصَّلاةَ. فيَقُولُ: سِيرُوا. حتَّى إذا كَانَ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ نَزَلَ فجَمَعَ بينَ الظُّهرِ والعَصرِ، ثُمَّ قال: رأَيتُ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- إذا وَصَلَ ضَحْوَهُ بِرَوْحَتِهِ صَنَعَ هَكَذَا. أخرجه البخاري مختصرًا (1108) بلفظ: كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين صلاة المغرب والعشاء في السفر.
(6) حدَّثنَا أبُو خَالدٍ الأَحمَرُ عن حَجَّاجِ عن عَمرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جَدِّهِ: أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- جَمَعَ بين الصَّلاتَيْنِ في غَزوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ. أخرجه أحمد (2/ 179، 204) وعزا له الهيثمي في المجمع (2/ 158) وقال: فيه الحجاج وفيه كلام.
وذُكِرَ أبن أبَا حنيفةَ قالَ: لا يُجزِئُهُ أن يَفعَلَ ذَلِكَ.
***
أجمع الفقهاء على مشورعية الجمع بين الظهر والعصر في عرفات جمع تقديم في وقت الظهر، وبين المغرب والعشاء جمع تأخير في مُزدلفة في وقت العشاء للحاج؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم فعل هذا في حجة الوداع، ولكنهم اختلفوا في تحديد علة هذه الرخصة هل هي السفر أو النُسُك؟ فذهب الحسن البصري، وابن سيرين، ومكحول، والنخعي، وأبو حنيفة، وهو قول للشافعية: إلى أن هذا الجمع من أجل النسك؛ ولهذا فلا فرق في ذلك عندهم بين المُسافر والحاضر، ولا بين العرفي والمكي وغيرهم بعرفة، ولا بين المزدلفي وغيرهم بمُزدلفة، وذهب جمهور الفقهاء -المالكية والراجح عند الشافعية والحنابلة- إلى أن الجمع بعرفة ومزدلفة رخصة من أجل السفر، واحتجوا بالأحاديث الصحيحة المشهورة في الجمع في أسفار النبي صلى الله عليه وسلم الأخرى.
أما الجمع للسفر فقد ذهب الشافعية والحنابلة إلى جواز الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء جمع تقديم، أو جمع تأخير بسبب السفر الطويل، الذي تقصر فيه الرباعية ما لم يكن سفر معصية. أما المالكية فلا يشترط للجمع في السفر عندهم طول مسافة السفر أو قصرها. وذهب الحسن البصري، والنخعي، وابن سيري، ومكحول، وأبو حنيفة إلى أنه لا يجوز الجمع للمسافر لا تقديمًا ولا تأخيرًا، وتأولوا ما ورد من جمعه صلى الله عليه وسلم بأنه جمع صُورِي، وهو أنه أخَّر الظهر إلى آخر وقتها وقدَّم العصر في أول وقتها، وفعل مثل ذلك في المغرب والعشاء.
والحنفية لا يُجيزون الجمع لسفر ولا لمطر ولا خوف ولا غيرها من الأعذار التي اختلف جمهور العلماء في جواز الجمع لها، وجعلوه حكمًا خاصًّا بعرفة والمزدلفة. راجع: الموسوعة الفقهية (15/ 284)، والمجموع (4/ 249)، والمغني (2/ 51).
قال الكمال ابن الهمام في فتح القدير (2/ 48): لا يجمع عندنا في سفر بمعنى أن يُصليَ العصر مع الظهر في وقت إحداهما والمغرب مع العشاء كذلك خلافًا للشافعي؛ بل بأن يُؤَخِّرَ الأولى إلى آخر وقتها فينزل فيصليها في آخره ويفتتح الآتية في أول وقتها؛ وهذا جمع فعلًا لا وقتًا. اهـ.
قال السرخسي في المبسوط (1/ 149): (ولا يجمع بين صلاتين في وقت إحداهما في حشر ولا في سفر) ما خلاف عرفة ومزدلفة فإن الحاجّ يجمع بين الظهر والعصر بعرفات فيؤديهما في وقت الظهر، وبين المغرب والعشاء بمزدلفة فيؤديهما في وقت العشاء، عليه اتفق رواة نُسُك رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فعله وفيما سوى هذين الموضعين لا يجمع بينهما وقتًا عندنا. اهـ. وراجع: بدائع الصنائع (1/ 217)، وشرح معاني الآثار (1/ 160)، وتبيين الحقائق (1/ 88)، ونصب الراية (2/ 231).
جاء في مختصر خليل: ورُخِّصَ له جمع الظهرين ببرٍّ وإن قصر ولم يجدَّ بلا كُرْه. اهـ. راجع: مختصر خليل وشروحه: التاج والإكليل (2/ 509)، ومواهب الجليل (2/ 154)، ومنح الجليل (1/ 416)، وشرح الخرشي (2/ 67)، والمدونة (1/ 252).
قال النووي في المجموع شرح المهذب (4/ 249): مذهبنا جواز الجمع بين الظهر والعصر في وقت أيتهما شاء، وبين المغرب والعشاء في وقت أيتهما شاء، ولا يجوز جمع الصبح إلى غيرها، ولا المغرب إلى العصر بالإجماع، ولا يجوز الجمع في سفر معصية، ويجوز الجمع في السفر الذي تُقْصَرُ فيه الصلاة، وفي القصر قولان مشهوران ذكر المصنف دليلهما أصحهما باتفاق الأصحاب: لا يجوز، وهو نص الشافعي في كتبه الجديدة، والقديمة جوازه. اهـ. وراجع: المنهاج وشروحه: تحفة المحتاج (2/ 392)، ومغني المحتاج (1/ 530)، ونهاية المحتاج (2/ 272).
وقال ابن قدامة في المغني (2/ 56- 58): الجمع بين الصلاتين في السفر وفي وقت إحداهما جائز في قول أكثر أهل العلم، ولا يجوز الجمع إلا في سفر يُبيحُ القصر. اهـ.
استدل الحنفية على عدم جواز الجمع في السفر وغيره بأدلة، منها:
1- عموم الآيات والأحاديث الدالة على وجوب المحافظة على الصلاة في أوقاتها، كقوله تعالى: (حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الوُسْطُى) [البقرة: 238]، أي في مواقيتها، وقوله تعالى: (إِنَّ الصَّلاًَةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَابًا مُوْقُوتًا) [النساء: 103]، أي فرضًا مؤقتًا، وكقوله صلى الله عليه وسلم: (ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يُصلِّ الصلاة حتى يجئ وقت الصلاة الأخرى) -أخرجه مسلم (1594)-.
واحتجاجهم بذلك معناه: أن المواقيت ثبتت بالقرآن والسنة المتواترة وكلاهما قطعي، والجمع ثبت بخبر الواحد وهو ظني، والقطعي لا يُعارَض بالظني، فمن قواعدهم أن خبر الواحد لا يُخصِّص عموم القرآن أو السنة المتواترة.
ويُمكن أن يُجاب عن ذلك بأن أحاديث الجمع مشهورة وليست بآحاد، وأنتم تجوِّزون تخصيص عموم القرآن والسنة المتواترة بالمشهور من الأخبار، وهذا الجواب أَوْلَى من جوابي ابن قدامة والنووي على ذلك.
قال ابن قدامة في المغني (2/ 57): وقولهم: لا نترك الأخبار المتواترة. قلنا: لا نتركها وإنما نخصصها، وتخصيص المتواتر بالخبر الصحيح جائز بالإجماع، وقد جاز تخصيص الكتاب بخبر الواحد بالإجماع، فتخصيص السنة بالسنة أَوْلَى، وهذا ظاهر جدًّا. اهـ.
قال النووي في المجموع (4/ 252): أما الجواب عن احتجاجهم بأحاديث المواقيت فهو أنها عامة في الحضر والسفر، وأحاديث الجمع خاصة بالسفر فقُدِّمَت. اهـ.
2- ما رواه البخاري (1682)، ومسلم (3176) عن عبدالله بن مسعود قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة إلا لميقاتها إلا صلاتين: صلاة المغرب والعشاء بجمع، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها.
قال الكمال ابن الهمام في فتح القدير (2/ 48): يعني غلَّس بها فكان قبل وقتها المُعتاد فعلها فيه منه صلى الله عليه وسلم، وكأنه ترك جمع عرفة لشهرته. ثم قال: ويترجَّح حديث ابن مسعود بزيادة فقه الراوي، وبأنه أحوط فيُقدَّم عند التعارض. اهـ.
والترجيح بفقه الراوي من قواعد الحنفية ومنهجهم، لكن رواة الجمع أيضًا فقهاء، وفيهم ابن عباس وعائشة وهما من كبار فقهاء الصحابة.
وأجاب النووي -كما في المجموع (4/ 252)- عن حديث ابن مسعود فقال: إنه نفيٌ، فالإثبات الذي ذكرناه في الأحاديث الصحيحة مقدم عليه؛ لأن مع رواتها زيادة علم. اهـ.
3- ما رواه أبو داود من طريق سليمان ابن أبي يحيى عن ابن عمر قال: ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء قطُّ في السفر إلا مرة.
قال أبو داود في سُننه (1209): وهذا يُروى عن أيوب عن نافع عن ابن عمر موقوفًا على ابن عمر: أنه لم يُر ابن عمر جمع قطّ إلا بتلك الليلة. يعني ليلة استُصرخ على صفية. ورُوي من حديث مكحول عن نافع أنه رأى ابن عمر فعل ذلك مرة أو مرتين. اهـ.
والاختلاف في رفع ووقف الحديث لا يضره عند الحنفية كما هو مُقرّر في منهجهم؛ بل إن ذلك مما يؤيد ثبوت الرفع بعمل راويه به.
قال النووي في المجموع (4/ 252): قدمان أن الحديث إذا رُوي مرفوعًا وموقوفًا هل يُحتج به؟ فيه خلاف مشهور للسلف، فإن سلَّمنا الاحتجاج به فجوابه: أن الروايات المشهورة في الصحيحين وغيرهما عن ابن عمر صريحة في إخباره عن جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجب تأويل هذه الرواية وردَّها، ويُمكن أن يتأول على أنه لم يره يجمع في حال سيره، إنما يجمع إذا نزل أو كان نازلًا في وقت الأولى. اهـ.
4- أن الجمع الوارد في الأحاديث معناه: أن يُؤخر الأولى إلى آخر وقتها فينزل فيصليها في آخره، ويفتتح الآتية في أول وقتها، وهذا جمع فعلًا لا وقتًا، والدليل عليه ما رواه أبو داود من طريق فُضيل بن غزوان عن نافع وعبدالله بن واقد: أن مؤذن ابن عمر قال: الصلاة، قال: سِرْ سِرْ، حتى إذا كان قبل غيوب الشفق نزل فصلى المغرب، ثم انتظر حتى غاب الشفق وصلى العشاء. ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا عجَّل به أمرٌ صنع مثل الذين صنعت، فسار في ذلك اليوم والليلة مسيرة ثلاث. راجع: سُنن أبي داود (1212).
وقد تابع فضيلَ بنَ غزوان على روايته عن نافع بهذا المعنى جماعةٌ؛ منهم عبدالرحمن بن يزيد بن جابر ولفظُه: حتى إذا كان في آخر الشفق. وراجع: سنن أبي داود (1213)، وشرح معاني الآثار (1/ 163)، وسنن الدارقطني (1/ 393) واللفظ لهما.
ومنهم عبدالله بن العلاء ولفظه: حتى إذا كان عند ذهاب الشفق -ذكره أبو داود عقيب حديث (1213) مُعلّقًا-.
ومنهم أسامة بن زيد الليثي ولفظه: حتى إذا كان عند غيبوبة الشفق -رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 163)، وأسامة بن زيد قال عنه أحمد: تركه يحيى بن سعيد بأخرة. وفي رواية: ليس بشئ. وفي أخرى: روى عن نافع أحاديث مناكير. وقال يحيى بن معين: كان يحيى بن سعيد يضعفه. وفي رواية: ثقة صالح. وفي أخرى: ليس به بأس. ومرة: ثقة حجة. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه ولا يُحتج به. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال الحافظ ابن حجر: صدوق يَهِم. راجع ترجمته في تهذيب الكمال (2/ 347)، والجرح والتعديل (2/ 283)، وتهذيب التهذيب (1/ 183)، والتقريب (317)-.
ومنهم العطاف بن خالد ولفظه: حتى إذا كاد الشفق أن يغيب -رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 163)، والدارقطني في سننه (1/ 393)، والعطاف بن خالد قال عنه أحمد: ليس به بأس. وقال مرة: صالح الحديث. وقال يحيى بن معين: ليس به بأس ثقة صالح الحديث. وقال أبو زُرعة: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صالح ليس بذاك، محمد بن إسحاق وعطاف هما باب رحمة. وقال أبو داود: ثقة. وفي موضع: ليس به بأس. وقال مالك: عطاف يُحدِّث؟ قيل: نعم. قال: إنَّا لله وإنا إليه راجعون. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال في موضع آخر: ليس به بأس. وقال الحافظ ابن حجر: صدوق يهم. راجع ترجمته في تهذيب الكمال (20/ 138)، والجرح والتعديل (7/ 32)، وتهذيب التهذيب (7/ 198)، وتقريب التهذيب (4612)-.
فهؤلاء خمسة رواة اتفقوا على روايته عن نافع عن ابن عمر بهذا المعنى، وخالفهم جماعة فروَوْهُ عن نافع بمعنى يؤيد مذهب الجمهور سيأتي ذكرها في أدلة الجمهور.
وهذا التأويل لأحاديث الجمع يرُدُّه حديث أنس والمحفوظ من حديث ابن عمر كما سيأتي، كما أن الجمع رُخصة، فلو كان على ما ذكروه لكان أشد ضيقًا وأعظم حرجًا من الإتيان بكل صلاة في وقتها؛ لأن الإتيان بكل صلاة في وقتها أوسع من مراعاة طرفي الوقتين، بحيث لا يبقى من وقت الأُوْلَى إلى قدر فعلها. راجع: المغني (2/ 56).
5- أنا أحاديث الجمع وقع فيها شئ من الاضطراب، ففي بعضها عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في المدينة في غير خوف ولا مطر. فقيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ فقال: أراد أن لا يحرج أمته -أخرجه مسلم (1676)-. ولم يقل أحد منا ومنهم بجواز الجمع لذلك.
وأُجيب بأن هذا ليس اضطرابًا في الحديث، ولكنها رخصة زائدة على رخصة الجمع في السفر، وقد صرَّح ابن عباس بالحكمة منها وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن لا يحرج أمته.
وقد ذهبت طائفة من الفقهاء إلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادة، منهم: أشهب من أصحاب مالك، وابن المنذر من الشافعية، وهو قول ابن سيري وجماعة من المحدثين. راجع: شرح صحيح مسلم للنووي (5/ 219).
واستدل الجمهور على جواز الجمع في السفر بالأحاديث التي ذكرها ابن أبي شيبة في أول المسألة، ويُضاف إليها:
1- ما رواه البخاري (1111)، ومسلم (1659) عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخَّرَ الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما، فإذا زاغت قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركِبَ. وفي رواية لمسلم (1660): كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع بينهما.
وفي أخرى له (1661): أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا عجَّل عليه السفر يُؤخِّر الظهر إلى وقت العصر، ويُؤخِّر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق.
2- ما رواه مسلم (1656) من طريق عُبيدِاللهِ عن نافعٍ عن ابن عمرَ: كان إذا جدَّ به السير جمع بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشفق ويقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء.
وقد تابع عُبيدَ اللهِ على روايتِهِ عن نافعٍ بهذا المعنى جماعةٌ؛ منهم أيوب -كما عند أبي داود (1207) عن نافع: أن ابن عمر استصرخ على صفية وهو بمكة، فسار حتى غربت الشمس وبدت النجوم فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا عجَّل به أمر في سفر جمع بين هاتين الصلاتين فسار حتى غاب الشفق فنزل بجمع بينهما.
ومنهم مالك -كما في موطّأه، رواية محمد بن الحسن ص(79) حديث رقم(202)- عن نافع: أن ابن عمر حين جمع بين المغرب والعشاء في السفر سار حتى غاب الشفق.
ومنهم عمر بن محمد بن زيد ولفظه: حتى إذا كان بعدما غاب الشفق ساعة -رواه الدارقطني في سننه (1/ 390)-.
فهؤلاء أربعة رواة رَوَوْهُ عن نافع عن ابن عمر بهذا المعنى، فيحصل من هذا مع ما سبق ذكره في أدلة الحنفية أن رواية نافع وقع فيها اختلاف، فرواه فضيل بن غزوان في جماعة بمعنى يُستدَلُّ به للحنفية، ورواه عبيدالله في جماعة أيضًا بمعنى يُستدل به للجمهور، ولا ريب أن رواية عبيدالله وجماعته أرجح؛ لأن رواتها أوثق في حديث نافع ويكفي أن فيهم مالكًا، فإذا نظرنا لروايات الحديث الأخرى عن ابن عمر من غير طريق نافع وجدناها ترجح أيضًا رواية عبيدالله ومتابعيه.
من ذلك ما رواه البخاري (1805) من طريق زيد بن أسلم عن أبيهِ عن ابم عمر وفيه: حتى كان بعد غروب الشفق نزل فصلى المغرب والعتمة.
وما رواه أبو داود (1217) من طريق عبدالله بن دينار عن ابن عمر وفيها: فسار حتى غاب الشفق وتصوبت النجوم.
وذلك يدل على أن المحفوظ في رواية نافع؛ بل في رواية حديث ابن عمر أن الجمع كان بعد غياب الشفق، وهو ما يُؤيِّدُ مذهب الجمهور.
وإذا تقرَّرَ هذا فاعلم أن حديث أنس وابن عمر من أقوى ما استدلَّ به الجمهور؛ لأنهما نصَّا على أن الجمع كان بعد دخول وقت الصلاة الأولى وليس في آخر وقتها؛ ولذلك فإن الطحاوي ركَّز في توجيه النقد والتأويل إليهما.
فبعد أن توجَّه بالنقد لرواية نافع عن ابن عمر بالاختلاف الواقع فيها قال -كما في شرح معاني الآثار (1/ 163)-: فكل هؤلاء يروي عن نافع أن نزول ابن عمر كان قبل أن يغيب الشفق، وقد ذكرنا احتمال قول أيوب عن نافع: حتى إذا غاب الشفق. أنه يحتمل قرب غيبوبة الشفق، فأولى الأشياء أن تحمل هذه الروايات كلها على الاتفاق لا على التضاد، فنجعل ما رُوي عن ابن عمر أن نزوله للمغرب كان بعد ما غاب الشفق أنه على قرب غيبوبة الشفق. اهـ.
ثم انتقل إلى حديث أنس فقال -فيه (1/ 164)-: قد يحتمل أن يكون صفة الجمع من كلام الزهري لا عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان كثيرًا ما يفعل هذا، يصل الحديث بكلامه حتى يُتوهم أن ذلك في الحديث. وقد يحتمل أن يكون قوله: إلى أول وقت العصر. إلى أقرب أول وقت العصر. اهـ.
قال الكمال ابن الهمام في فتح القدير (2/ 48): أو يُحمل الشفق المذكور على الحُمرة فإنه مُشترك بينه وبين البياض الذي يلي أطرافه على ما قدمناه -يُشير إلى ما ورد من خلاف في تعيين الشفق، فيرى أبو حنيفة أن الشفق هو البياض الذي في الأُفق بعد الحُمرة، ويرى صاحباه أبو يوسف ومحمد أنه الحمرة، وهو رواية عن أبي حنيفة وهو قول الشافعي. راجع: فتح القدير (1/ 222)-، فيكون حينئذٍ عين ما قلناه من أن ينزل في آخر الوقت فيُصلي الوقتية فيه، ثم يستقبل الثانية في أول وقتها. اهـ.
وبالنظر في أدلة الفريقين نجد أن أدلة الجمهور أكثر مخرجًا مع صحتها وعدم احتياجها للتأويل، وهذا يكفي في ترجيحها على أدلة الحنفية، وأدلة الحنفية وإن كانت صحيحة أيضًا إلا أن ذلك لا يكفي لترجيحها على أدلة الجمهور، ولكي تَسْلَم لهم أدلتهم لا بد وأن يُجيبوا عن أدلة الجمهور، وقد سلك الحنفية في ذلك عدة طرق:
الأول: طريق الرد لأدلة الجمهور بدعوى مُخالفتها لعموم القرآن والسنة المتواترة، وهذا مسلك السرخسي.
الثاني: طريق التأويل لأدلة الجمهور لتتفق مع أدلة الحنفية وهذا مسلك الطحاوي.
الثالث: طريق ترجيح أدلتهم بفقه الراوي وهذا مسلك الكمال ابن الهمام.
وهذا يدلنا على مدى التوافق بين أصول الحنفية في نقد السنة وبين الفروع الفقهية، وهو ما يجعلنا نؤكِّد أن أغلب الأحاديث التي خالفها الحنفية كان لعدم ثبوتها وفق منهجهم في قبول الأخبار.
فالخلاف إذًا ليس فيه مُخالفة للأدلة؛ بل فيه ترجيح بعضها على بعض وفهمها وتأويل بعضها ليتفق مع بعض، والتزم بالمنهج العلمي في نقد الحديث؛ ولذلك فإن دعوى ابن أبي شيبة مُخالفة أبي حنيفة للأثر في هذه المسألة مردودة.
***
الحادي عشر/ مَسْأَلَةُ إِمَامَةِ مَنْ صَلَّى جَالِسًا
(1) حدَّثنَا ابنُ عُيَيْنَةَ عن الزُّهرِيِّ قال: سمعتُ أنسَ بن مالكِ يقُولُ: سقطَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- عن فرسٍ فَجُحِشَ شِقُّةُ الأيمَنُ فدخلنا عليهِ نعُودُهُ، فحضرتِ الصَّلاةُ فصلَّى بِنَا قاعِدًا وصلَّينَا وراءَهُ قِيَامًا، فلمَّا قضى الصَّلاةَ قال: (إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ ليُؤتَمَّ بِهِ، فإِذا كّبَّرَ فكّبِّرُوا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سَجَدَ فاسجُدُوا، وإذا رَفع فارفعُوا، وإذا قال سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدهُ فَقُولُوا اللَّهُمَّ ربَّنَا ولكَ الحَمدُ، وإن صَلَّى قاعِدًا فصلُّوا قُعُودًا أَجْمَعُونَ). أخرجه البخاري (508)، ومسلم (411).
(2) حَدثنَا عَبْدَةُ عن هِشَامٍ عن أبيهِ عن عائِشَةَ قالتِ: اشتَكَى النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فدَخَلَ عليهِ نَاسٌ من أصحابِهِ يَعُودُونَهُ، فصَلَّى النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- جَالِسًا فصَلُّوا بِصَلاتِهِ قِيَامًا، فأَشَارَ إليهِمْ أَنِ اجْلِسُواْ، فجَلَسُوا فلمَّا انصَرَفَ قال: (إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فإِذَا رَكَعَ فارْكَعُوا، وإِذا رَفَعَ فارفَعُوا، وإِذا صَلَّى جَالِسًا فصَلَّوا جُلُوسًا). أخرجه مسلم (412).
(3) حَدَّثنا وَكِيعٌ عن الأَعمَشِ عن أبي سُفيَانَ عن جَابِرٍ قال: صُرِعَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عن فرَسٍ لهُ فوقَعَ على جِذْعٍ فانفَكَّت قَدَمُهُ. قال: فدَخَلنَا عليهِ نَعُودُهُ وهُوَ يُصَلِّي فِي مَشرُبَةٍ لِعَائِشَةَ جَالِسًا، فصَلَّينَا بِصَلاتِهِ ونَحْنُ قِيَامٌ، فَأَومَأَ إِلينَا أن اجلِسُوا، فلمَّا صلَّى قال: (إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤتَمَّ بِهِ، فإذا صَلَّى قَائِمًا فصَلُّوا قِيَامًا، وإِذا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا، ولا تَقُومُوا وَهُو جَالِسٌ كَمَا تَفعَلُ أَهْلُ فَارِسَ بِعُظَمَائِهَا). أخرجه أبو داود (602)، وابن ماجه (485).
(4) حَدَّثنَا أبُو خَالِدٍ عن مُحمَّدِ بنِ عَجْلانَ عن زَيدِ بن أَسْلَمَ عن أبِي صَالِحٍ عن أبي هُريرَةَ قال: قال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤتَمَّ بهِ، فإِذَا كَبَّرَ فكَبِّرُوا، وإذا قَرَأَ فأَنصِتُوا، وإذا قالَ: (غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلِيهِمْ وَلاَ الضَّالِينَ) فقُولُوا: آمِينَ، وَإِذَا رَكَعَ فارْكَعُوا، وإِذَا قالَ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، وإِذا سَجَدَ فاسجُدُوا، وإِذا صَلَّى جَالِسًا فصَلُّوا جُلُوسًا). أخرجه مسلم (415).
وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قالَ: لا يَؤُمُّ الإِمَامُ وَهُوَ جَالِسٌ.
***
إذا صلى الإمام جالسًا من عُذر فقد ذهب أبو حنيفة والشافعي ومالك في رواية: إلى أن المأمومين يُصلُّونَ خلفه قيامًا. وذهب أحمد وابن حزم وجماعة من المُحدثين: إلى أنهم يُصلَّونَ جُلُوسًا. وذهب مالك في أشهر الروايتين عنه ومُحمَّد بن الحَسن إلى أن الصلاة خلف القاعد لا تصح مُطلقًا.
يتضح من ذلك أن ما حكاه ابن أبي شيبة مذهبًا لأبي حنيفة ليس صحيحًا، وإنما هو مذهب محمد بن الحسن، فهو الذي لا يُجوِّز أن يُصلي الإمام جالسًا، وأما أبو حنيفة فيجوز ذلك لمن به عُذر، إلا أن المأمومينَ يُصلُّونَ خلفَهُ قِيَامًا، وهو مذهبُ جمهور العلماء.
ومع هذا فإن الأحاديث التي ذكرها ابن أبي شيبة تصلح أيضًا للرد على أبي حنيفة؛ حيثُ وردت بأمر المُصلين خلف الإمام الجالس أن يُصَلُّوا جُلوسًا، وقال الجمهور ومعهم أبو حنيفة: يُصلون قيامًا. ولا بأس أن نعتبر مقصود ابن أبي شيبة الرد على مذهب أبي حنيفة والجمهور من جِهَةِ أن المأمومين يُصلون خلفه جُلوسًا، وعلى مذهب مالك ومحمد بن الحسن من جهة جواز صلاة الإمام جالسًا.
قال صاحب الهداية: (ويُصلي القائم خلف القاعد) وقال محمد رحمه الله تعالى: لا يجوز، وهو القياس لقوَّةِ حال القائم، ونحن تركانه بالنص، وهو ما رُوي: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى آخر صلاته قاعدًا والقوم خلفه قيام. اهـ. راجع: الهداية وشروحها: فتح القدير (1/ 369)، والعناية (1/ 369)، ونصب الراية (2/ 49).
قال الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 404): فذهب قوم إلى هذا، فقالوا: من صلى بقوم قاعدًا من عِلَّةِ صلوا خلفه قُعودًا، وإن كانوا يُطيقون القيام. وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل يُصلون خلفه قيامًا، ولا يسقط عنهم فرض القيام، لسقوطه عن إمامهم. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وكان محمد بن الحسن يقول: لا يجوز لصحيح أن يأتمّ بمريض يُصلي قاعدًا، وإن كان يركع ويسجد. اهـ. وراجع: المبسوط (1/ 214)، وبدائع الصنائع (1/ 142)، وتبيين الحقائق (1/ 95).
قال الباجي في المنتقى شرح الموطأ (1/ 238): إن كان من وراء الإمام قادرين على القيام فالمشهور عن مالك أنه لا يجوز أن يأتموا به، وبه قال محمد بن الحسن. قال سحنون: وقد اختلف في هذا قول مالك. هكذا ذكره أبو محمد في النوادر، والذي في روايتنا في العتبية إنما هو من قول العتبي: إنما اختلف فيها قول مالك والله أعلم. وروى الوليد بن مسلم عن مالك يجوز لهم الائتمام به قيامًا، وبه قال أبو حنيفة والشافعي والأوزاعي. اهـ. وراجع: مختصر خليل وشروحه: التاج والإكليل (2/ 97)، ومواهب الجليل (2/ 97)، وشرح الخرشي (1/ 24)، ومنح الجليل (1/ 360).
وقال النووي في المجموع شرح المهذب (4/ 161): مذهبنا جواز صلاة القائم خلف القاعد العاجز، وأنه لا تجوز صلاتهم وراءه قعودًا، وبهذا قال الثوري وأبو حنيفة وأبو ثور والحميدي وبعض المالكية. اهـ. وراجع: الأم (1/ 198) و(7/209) و(8/ 609)، والمنهاج وشروحه: تحفة المحتاج (2/ 288)، ونهاية المحتاج (2/ 186)، ومغني المحتاج (1/ 465).
وقال ابن قدامة في المغني (2/ 27) شارحًا قول الخرقي: (وإذا صلى إمام الحي جالسًا صلى من وراءه جلوسًا). إن صلى بهم قاعدًا جاز، ويُصلون مِنْ ورائه جلوسًا، فعل ذلك أربعة من الصحابة: أُسيد بن حضير، وجابر، وقيس بن قهدٍ، وأبو هريرة. وبه قال الأوزاعي، وحمّاد بن زيد، وإسحاق، وابن المنذر. اهـ. وراجع: الإنصاف (2/ 260)، والمُحلى (2/ 103).
-أدلة الجمهور:
1- أخرج البخاري (664)، ومسلم (968) عن عائشة قال: لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بلال يُؤذنه بالصلاة فقال: (مُروا أبا بكر فليُصلِّ بالناس). فقُلتُ: يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف، إنه متى يَقُمْ مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرتَ عمر. فقال: (مُروا أبا بكر فليُصلِّ بالناس). قالت: فقُلتُ لحفصة: قولي له إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقم مقامك لا يسمح الناس، فلو أمرتَ عمر. فقال له. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّكُنَّ لأنتن صواحب يوسف، مُروا أبا بكر فليُصل بالناس). قالت: فأمروا أبا بكر يصلي بالناس. قالت: فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفسه خفَّة فقام يُهادي بين رجلين ورجلاه تخطان في الأرض. قالت: فلما دخل المسجد سمع أبو بكر حسّه ذهب يتأخر فأومأ إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قم مكانك. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصلي بالناس جالسًا وأبو بكر قائمًا يقتدي أبو بكر بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر.
وفي رواية لهما -البخاري (683)، ومسلم (9710)- من طريق هشام عن أبيه عن عائشة قالت: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يُصلي بالناس في مرضه فكان يُصلي بهم. قال عُروة: فوُجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة فخرج وإذا أبو بكر يؤم الناس، فلمَّا رآه أبو بكر استأجر فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أي كما أنت، فجلس رسول الله حِذاء أبي بكر إلى جنبه، فكان أبو بكر يُصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يُصلون بصلاة أبي بكر.
قال الإمام الشافعي في الرسالة ص(254) الفقرة(702): فلما كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه قاعدًا والناس خلفه قيامًا، استدللتا على أن أمره الناس بالجلوس في سقطته عن الفرس قبل مرضه الذي مات فيه، فكانت صلاته في مرضه الذي مات فيه قاعدًا والناس خلفه قيامًا - ناسخة لأن يجلس الناس بجلوس الإمام. اهـ. وراجع: الأم (1/ 199)، واختلاف الحديث مع الأم (8/ 609)، ومعرفة السنن والآثار (4/ 135).
وقال الحازمي في الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار ص(211): وقد اختلف أهل العلم في الإمام يُصلي بالناس جالسًا من مرض، فقالت طائفة: يُصلُّونَ قُعُودًا اقتداءً به، وذهبوا إلى هذه الأحاديث وَرأوْها مُحكمة، وبهِ قال أحمد وإسحاق وطائفة من أهل الحديث.
وقال أكثر أهل العلم يُصلُّونَ قيامًا، ولا يُتابعون الإمام في الجلوس، ورأوا أن هذه الأحاديث منسوخة، ممن ذهب إلى ذلك من العلماء: عبدالله بن المبارك، والشافعي وأصحابه، وقد حكينا نحو هذا عن الثوري. اهـ.
وقال الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 405): بعد روايته لحديث عائشة: ففي هذا الحديث أن أبا بكر ائتم برسول الله صلى الله عليه وسلم قائمًا والنبي صلى الله عليه وسلم قاعدٌ، وهذا من فعل النبي صلى الله عليه وسلم بعد قوله ما قال في الأحاديث التي في الباب الأول. اهـ. يعني أنها نُسِخَتْ بهِ.
قال الحميدي -كما ذكر البخاري عقب حديث(5658)-: هذا الحديث منسوخ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم آخر ما صلَّى صلَّى قاعِدًا، والناس خلفه قيام. اهـ. وهذا يُشعِرُ أن البخاري يميل إلى القول بنسخ أحاديث الجلوس.
وقال الباجي في المنتقى (1/ 238): وقد قال بعض أصحابنا في حديث أنس -يُشير إلى حديث أنس المذكور في أول المسألة-: إنه منسوخ بصلاة أبي بكر خلف النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي تُوفي منه، وهذا يصح على رواية الوليد بن مسلم، وقد تأول ابن القاسم أنه في النافلة وذلك كله محتمل والله أعلم. اهـ.
وحديث عائشة وقع فيه اختلاف لا يقدح فيه؛ فالذي تقدم أنه صلى الله عليه وسلم كان إمامًا وأبو بكر مأمومًا، وقد رُوي فيه العكس، كما أخرجه الترمذي والنسائي عن مسروق عن عائشة قال: صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف أبي بكر في مرضه الذي تُوفي فيه قاعِدًا -رواه النسائي (78)، الترمذي (363) وقال: حديث حسن صحيح-.
قال الزيعلي في نصب الراية (2/ 55): ومثل هذا لا يُعارض ما وقع في الصحيح مع أن العلماء جمعوا بينهما. اهـ.
قال البيهقي في معرفة السنن والآثار (4/ 114- 146): إن الصلاة التي كان فيها النبي صلى الله عليه وسلم إمامًا هي صلاة الظهر، وهي التي خرج فيها رسول الله صلى الله عليه بين العباس وعليِّ، والصلاة التي صلاها مأمومًا هي صلاة الصبح من يوم الاثنين، وهي التي خرج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الفضل بن العباس وغلام له، وهي آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مضى لسبيله. اهـ. وجمع بينهما أيضًا الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 406) بنحو هذا.
وقال ابن حبان في صحيحه (5/ 488): إن هذه الأخبار كلها صحاح، وليس شئ منها يُعارض الآخر، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى في علته صلاتين في المسجد جماعةً، لا صلاة واحدة، غي إحداها كان مأمومًا، وفي الأخرى كان إمامًا. اهـ.
-أدلة الحنابلة:
تمسك الحنابلة بالأحاديث المذكورة في صدر المسألة، وبُار عن الصحابة تؤيد العمل بهذه الأحاديث، ومن ذلك:
1- عن أبي الزبير عن جابر: أنهم خرجوا يُشيِّعونه وهو مريض فصلى جالسًا وصلوا خلفه جلوسًا. أخرجه الشافعي في اختلاف الحديث (8/ 609)، وابن أبي شيبة في مصنفه (2/ 115).
2- وعن قيس بن أبي حازم عن أبي هريرة قال: إنما الإمام أمير، فإن صلَّى قاعِدًا فصلوا قُعُودًا، وإن صلَّى قَائِمًا فصَلُّوا قِيَامًا. رواه عبدالرزاق في مصنفه (2/ 462)، وابن أبي شيبة (2/ 115).
3- وعن أسيد بن حضير أنه كان يؤم قومه بني عبدالأشهل وأنه اشتكى، فخرج إليهم بعد شكواه فقالوا له تقدم. قال: لا أستطيع أن أصلي قائمًا. قالوا: لا يؤمنا أحد غيرك ما دمت. فقال: اجلسوا. فصلَّى بهم جُلُوسًا. أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (2/ 115)، واختلاف الحديث (8/ 69).
4- وعن قيس بن قهد الأنصاري: أن إمامهم اشتكى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فكان يؤمنا جالسًا ونحن جُلُوس. أخرجه عبدالرزاق في مصنفه (2/ 462)، وابن أبي شيبة (2/ 115).
وهذه الآثار كلها رُويَت بأسانيد صحيحة -كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (2/ 176)-.
وقد أنكر الإمام أحمد أن يكون حديث عائشة ناسخًا لهذه الأحاديث، وجمع بين الحديثين بتنزيلهما على حالتين:
الحالة الأولى: إذا ابتدأ الإمام الراتب الصلاة قاعدًا لمرض يُرجى برؤه، فحينئذ يُصلون خلفه قعودًا.
والحالة الثانية: إذا ابتدأ الإمام الراتب قائمًا لزم المأمومين أن يُصلوا خلفه قيامًا، سواء طرأ ما يقتضي صلاة إمامهم قاعدًا أم لا، كما في الأحاديث التي في مرض موت النبي صلى الله عليه وسلم، فإن تقريره لهم على القيام دلَّ على أنهم لا يلزمهم الجلوس في تلك الحالة؛ لأن أبا بكر ابتدأ الصلاة بهم قائمًا وصولا معه قيامًا، بخلاف الحالة الأولى فإنه صلى الله عليه وسلم ابتدأ الصلاة جالسًا فلما صلوا خلفه قيامًا أنكر عليهم. راجع: المغني (2/ 27).
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (2/ 671): ويُقِوِّي هذا الجمع أن الأصل عدم النسخ، لا سيِّمَا وهو في هذه الحالة يستلزم دعوى النسخ مرتين؛ لأن الأصل في حكم القادر على القيام أن لا يصلي قاعدًا، وقد نُسِخَ إلى القعود في حق من صلَّى إمامه قاعدًا، فدعوى نسخ القعود بعد ذلك تقتضي وقوع النسخ مرتين وهو بعيد. اهـ.
وقد قال بقول أحمد جماعة من محدثي الشافعية؛ كابن خزيمة وابن حبان وابن المذر.
وأجاب ابن خزيمة على حديث عائشة بأن الأحاديث التي وردت بأمر المأموم أن يُصلي قاعدًا تبعًا لإمامه لم يُختلف في صحتها ولا في سياقها، وأما صلاته صلى الله عليه وسلم قاعدًا فاختُلِف فيها هل كان إمامًا أو مأمومًا، وما لم يُختلف فيه لا ينبغي تركه لمُختلِفٍ فيه. راجع: صحيح ابن خُزيمة (3/ 52). وقد سبقت الإجابة عن ذلك بأنه كان إمامًا مرة ومأمومًا أخرى.
وادَّعى ابن حبان الإجماع على أن الإمام إذا صلَّى قاعدًا كان على المأمومين أن يُصلُّوا قعودًا، واستدل على ذلك بأن أربعة من الصحابة أفتَوْا بذلك، ولم يُرْوَ عن أحدٍ من الصحابة خلاف لهؤلاء الأربعة، لا بإسناد متصل ولا بإسناد منقطع فكان إجماعًا.
قال ابن حبان في صحيحه (5/ 471): والإجماع عندنا إجماع الصحابة الذين شهدوا هبوط الوحي والتنزيل، وأُعيذوا من التحريف والتبديل، حتى حفظ الله بهم الدين، وصانه عن ثلم القاحدين. اهـ.
قال العلامة أحمد شاكر في التعليق على الرسالة ص(257): ولستُ أرضى من ابن حبان ادعاءه الإجماع، كلمة مُرسلة لا حجة لها، كما قال الشافعي في اختلاف الحديث: ولا يُنسب إلى ساكت قول قائل ولا عمل عامل، إنما يُنسب إلى كلٍّ قوله وعمله، وفي هذا ما يدل على أن ادعاء الإجماع في كثير من خاصِّ الأحكام ليس كما يقول من يدعيه. اهـ. وراجع: اختلاف الحديث (8/ 619)، والأم (1/ 178).
وقد حكى ابن حجر عن بعضهم -ورجحه، كما في فتح الباري (2/ 177)- أنه جمع بين القصتين بأن الأمر بالجلوس كان للندب، وتقريره قيامهم خلفه كان لبيان الجواز، فعلى هذا الأمر من أمَّ قاعدًا لعُذر تخيّر من صلَّى خلفه بين القعود والقيام، والقعود أعلى لثبوت الأمر بالائتمام والاتباع وكثرة الأحاديث الواردة في ذلك. وإلى هذا الجمع ذهب ابن حزم -كما في المحلى (2/ 103).
-أدلة مالك ومحمد بن الحسن:
واستدل مالك ومحمد بن الحسن على عدم جواز الصلاة وراء القاعد بما رواه الدارقطني من رطيق جابر الجعفي عن الشعبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحد بعدي جالسًا).
قال الدارقطني في سننه (1/ 398): لم يروه عن الشعبي غير جابر الجعفي وهو متروك، والحديث مرسل لا تقوم به حجة. اهـ. سُنن الدارقطني (1/ 398) ومن طريقه البيهقي في الكبرى (3/ 80).
قال الإمام أبو حنيفة -كما في سنن الترمذي (4347)-: ما رأيتُ أحدًا أكذب من جابر الجعفي، ولا أفضل من عطاء ابن أبي رباح. اهـ. وراجع ترجمته في تهذيب الكمال (4/ 465)، وميزان الاعتدال (1/ 379).
وقد عاب ابن حبان -كما في الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (5/ 474)- على محمد بن الحسن بهذا الحديث على أن صلاة الإمام قاعدًا من خصوصيات النبي صلى الله عليه وسلم فلا يُشاركه فيها أحد من أمته.
قال الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 408): وكان محمد بن الحسن يقول: لا يجوز لصحيح أن يأتم بمريض يُصلي قاعدًا، وإن كان يركع ويسجد. ويذهب إلى أن ما كان من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدًا في مرضه بالناس وهم قيام مخصوص؛ لأنه قد فعل فيها ما لا يجوز لأحد بعده أن يفعله، مِنْ أخذه في القراءة من حيثُ انتهى أبو بكر، وخروج أبي بكر من الإمامة إلى أن صار مأمومًا في صلاة واحدة، وهذا لا يجوز لأحد من بعده باتفاق المسلمين جميعًا، فدلَّ على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان خُصَّ في صلاته تلك بما مُنِعَ منهُ غيرهِ. اهـ.
وقال الباجي في المنتقى (1/ 238): وجه القول الأول أن هذا ركن من أركان الصلاة، فلا يصح الائتمام بمن عجز عنه كالقراءة. اهـ.
من ذلك كله يتبين صحة إيراد ابن أبي شيبة لهذه الأحاديث على مذهب مالك ومحمد بن الحسن؛ حيث إن مذهبهما يُخالف أدلة الجمهور والحنابلة معًا؛ لأن في جميعها جواز صلاة الإمام قاعدًا بعُذرٍ، ودليلهما على الخصوصية لا يصلح للاحتجاج، فلا شك في مُخالفة مذهبهما للحديث، وأما إيرادها على مذهب الجمهور فلا يَحسُن؛ لأنهم قائلون بنسخها، والقول بنسخ الحديث ليس مُخالفه له.
***
الثاني عشر/ مَسْأَلَةُ الكَلامِ فِي الصَّلاةِ
(1) حَدثنَا أبُو مُعَاويَةَ عن الأَعمَشِ عن إِبراهيمَ عن علقمَةَ عن عبدِاللهِ: أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- سجَدَ سَجدتَي السَّهُو بَعْدَ الكَلامِ. أخرجه البُخاري (401)، ومُسلم (1314).
(2) حدَّثنَا أبُو خالِدٍ عن عششَامٍ عن مُحمَّدٍ عن أبِي هُريرةَ: أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- تكلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ سَجدَتَي السَّهْوِ. أخرجه البخاري (482)، ومسلم (1316).
(3) حَدثنَا ابنُ عُلَيَّةَ عن خَالِدٍ عن أبِي قِلابَةَ عن أبِي المُهَلَّبِ عن عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنِ: أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- صَلَّى العَصْرَ فِي ثَلاثِ رَكَعَاتٍ ثُمَّ انصَرَفَ، فقَامَ إِل~يهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْخِرْبَاقُ، فقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَقَصَتْ الصَّلاةُ. قال: (وَمَا ذَاكَ؟). قَالَ: صَلَّيتَ ثَلاثَ رَكَعَاتٍ، فَصَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ سَجْدَتِي السَّهْوِ ثُمَّ سَلَّمَ. أخرجه مسلم (1321).
وذُكِرَ أنَّ أبَا حنيفةَ قالَ: إِذَا تَكَلَّمَ فَلاَ يَسْجُدُهُمَا.
***
اتفق الفقهاء على تحريم الكلام في الصلاة عامدًا وأنه تبطل به الصلاة، وأما من تكلم في الصلاة ساهيًا بكلام قليل فقال مالك والشافعي وأحمد في رواية: لم تبطل صلاته. وقال أبو حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى: تبطل.
قال صاحب الهداية: (ومن تكلم في صلاته عامدًا أو ساهيًا بطلت صلاته) خلافًا للشافعي رحمه الله في الخطأ والنسيان. اهـ. راجع: الهداية وشروحها: فتح القدير (1/ 395)، والعناية (1/ 395)، ونصب الراية (2/ 75). وراجع: المبسوط (1/ 170)، وبدائع الصنائع (1/ 233).
جاء في المدونة (1/ 194): وقال مالكٌ في الرجل يُسلم من ركعتين ساهيًا ثم يلتفت فيتكلم قال: إن كان شيئًا خفيفًا رجع فبنى وسجد سجدي السهو. اهـ. وراجع: المنتقى (1/ 172)، وأحكام القرآن لابن العربي (1/ 302)، ومختصر خليل وشروحه: التاج والإكليل (2/ 310)، ومواهب الجليل (2/ 30)، وشرح الخرشي (2/ 321)، ومنح الجليل (1/ 302).
وقال النووي في المجموع شرح المهذب (4/ 17): من تكلم ناسيًا في الصلاة ولم يطل كلامه فمذهبنا أنه لا تبطل صلاته، وبه قال جمهور العلماء، منهم ابن مسعود وابن عباسٍ وابن الزبير وأنسٌ وعُروة بن الزبير وعطاءٌ والحسن البصريّ والشعبي وقتادة وجميع المحدثين ومالكٌ والأوزاعي وأحمد في روايةٍ وإسحاق وأبو ثورٍ وغيرهم. وقال النخعي وحمَّاد بن أبي سليمان وأبو حنيفة وأحمد في روايةٍ: تبطُل. اهـ. وراجع: المنهاج وشروحه: تحفة المحتاج (2/ 140)، ومُغني المحتاج (1/ 411)، ونهاية المحتاج (2/ 35).
وقال ابن قدامة في المغني (1/ 393): من سلَّم عن نقصٍ من صلاته يظُنّ أنها قد تمت ثم تكلم، ففيه ثلاث رواياتٍ: إحداهن أن الصلاة لا تفسد إذا كان الكلام في شأن الصلاة مثل الكلام في بيان الصلاة. والرواية الثانية: تفسد صلاتهم. وهو قول الخلال وصاحبه، ومذهب أصحاب الرأي. والثالثة: أن صلاة الإمام لا تفسد، وصلاة المأمومين الذين تكلموا تفسد. اهـ.
استدل الجمهور على صحة صلاة من تكلم في صلاتِهِ ناسيًا، بحديث أبي هريرة وعِمران بن حُصين في قصة ذي اليدين؛ فقد تكلم النبي صلى الله عليه وسلم مع ذي اليدين، وهو يرى أنه قد أكمل الصلاة، فلما تيقن من نسيانه بنى على صلاته وسجد للسهو، فدلَّ ذلك على أن النبي صلى الله عليه وسلم فرَّق بين كلام العامد والناسي.
1- روى البخاري (714)، ومسلم (1318) من طرق كثيرة عن أبي هريرة قال: صلَّى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر فسلم في ركعتين، فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل ذلك لم يكن). فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله. فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال: (أصدق ذو اليدين؟). فقالوا: نعم يا رسول الله. فأتمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بقيَ من الصلاة ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم.
2- أخرج مسلم (1321) عن عمران بن حصين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى العصر فسلم في ثلاث ثم دخل منزله، فقال إليه رجلٌ يُقال له الخرباق، وكان في يده طولٌ فقال: يا رسول الله فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجر رداءه حتى انتهى إلى الناس فقال: (أصدق هذا). قالوا: نعم. فصلى ركعةً ثم سلم ثم سجد سجدتين ثم سلم.
قال الشافعي في الأم (1/ 147): مَنْ تكلم في الصلاة وهو يرى أنه قد أكملها، أو نسيَ أنه في صلاةٍ فتكلَّم فيها، بنى على صلاته وسجد للسهو لحديث ذي اليدين، وأن من تكلم في هذه الحال فإنما تكلم وهو يرى أنه في غير صلاةٍ، والكلام في غير الصلاة مباحٌ. اهـ.
واستدل الحنفية بأحاديث تحريم الكلام في الصلاة ولم يُفرَّق فيها بين العمد والنسيان، فكانت ناسخة لحديث ذي اليدين واستدلوا على النسخ بقرائنَ يأتي ذكرها، بعد ذكر بعض أحاديث النهي عن الكلام في الصلاة.
1- ما أخرجه مسلم (1227) عن مُعاوية بن الحكم السلميّ قال: بينما أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجلٌ فقُلتُ: يرحمك الله. فرماني القوم بأبصارهم، فقلتُ: وا ثكل أُمِّياه ما شأنكم تنظرون إليَّ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يُصَمِّتُونني سكتُّ، فلمَّا انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته، بأبي هو وأمي، ما رأيتُ معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ما كهرني ولا ضرنبي ولا شتمني، وقال: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئٌ من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن).
قال الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 444): فدلَّ ذلك على أن كلام ذي اليدين لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما كلَّمه به، وأن جميع ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته في حديث عمران وأبي هريرة كان والكلام مباحٌ في الصلاة، ثم نسخ بنسخ الكلام فيها. اهـ.
2- ما أخرجه البخاري (1199)، ومسلم (1229) عن ابن مسعودٍ قال: كُنَّا نُسلِّمُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرُدّ علينا، فلمَّا رجعنا من عند النجاشي سلَّمنا عليه فلم يرد علينا فقلنا: يا رسول الله كُنَّا نُسلم عليكَ في الصلاة فترد علينا، فقال: (إن في الصلاة شُغُلًا).
وفي رواية لأبي داود (924)، والنسائي (1221): (إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وقد أحدث من أمره أن لا تكلموا في الصلاة).
3- ما أخرجه البخاري (1200)، ومسلم (1231) عن زيد بن أرقم قال: إنا كنا لنتكلم في الصلاة على عهد رسول الله صلى الله عليه يُكلِّم أحدنا صاحبه بحاجته حتى نزلت: (حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالْصَّلاَةِ الوُسْطُى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ) [البقرة: 238] فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام.
وقد استدل الحنفية على النسخ بتقدم قصة ذي اليدين؛ لأنه قُتِلَ يوم بدر، ولا يتعارض ذلك مع رواية أبي هريرة للحديث؛ لأن الصحابي قد يروي ما لا يحضره بأن يسمعه من صحابي آخر، وقول أبي هريرة: صلَّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم معناه صلَّى بالمسلمين، وهذا جائز في اللغة، وأما أحاديث التحريم فمتأخرة؛ لأنها من رواية معاوية بن الحكم وهو متأخر الإسلام، ومن رواية زيد بن أرقم، وصُحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم كانت بالمدينة، فدلَّ جميع ذلك على نسخ حديث ذي اليدين بأحاديث تحريم الكلام في الصلاة. راجع: شرح معاني الآثار (1/ 452)، والنكت الطريفة ص(73).
وقد ردَّ الجمهور دعوى النسخ بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، والجمع بين الأحاديث ممكن بحمل أحاديث النهي على العامد، وحديث ذي اليدين على الناسي، وأجابوا عما أورده الحنفية من عدة وجوه:
1- أن دعوى نسخ حديث أبي هريرة بحديث ابم مسعودٍ غلطٌ؛ لأنه لا خلاف بين أهل الحديث والسير أن حديث ابن مسعودٍ كان بمكَّة حين رجع من الحبشة قبل الهجرة، وأن حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين كان بالمدينة، وإنما أسلمَ أبو هريرة عام خيبر سنة سبع من الهجرة بلا خلافٍ، وأما حديث زيد بن أرقم ومعاوية بن الحكم فليس فيهما بيان أنهما كانا قبل حديث أبي هريرة أو بعده والنظر يشهد أنهما قبله.
2- أن شهود أبي هريرة للقصة محفوظٌ من رواية الثقات، كما في رواية لمُسلم (1320): بينا أنا أُصلِّي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا اللفظ لا يحتمل التأويل.
3- أن المقتول يوم بدر ذو الشمالين وليس ذو اليدين، فذو الشمالين اسمه عُمير بن عبدعمرو بن غبشان من خُزاعة -راجع ترجمته في الإصابة (2/ 414، (4/ 378)، والاستيعاب (2/ 469)-، وذو اليدين اسمه الخرباق بن عمرٍو من بني سليمٍ -راجع ترجمته في الإصابة (2/ 271، 420)، والاستيعاب (2/ 458)-، فذو اليدين المذكور في حديث السهو غير المقتول ببدرٍ، وما قاله الزُّهريّ من أن المتكلم في حديث السهو ذو الشمالين -كما عند النسائي (1229)-، فلم يُتابع عليه.
قال ابن عبدالبر في التمهيد (1/ 366): لا أعلم أحدًا من أهل العلم بالحديث عوَّلَ على حديث الزهري في قصة ذي اليدين، وكلهم تركه من روايته لاضطرابه فيه، وإن كان إمامًا عظيمًا في هذا الشأن؛ فالغلظ لا يسلم منه بشرٌ، وكل أحدٍ يؤخذ من قوله ويُترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم. اهـ.
وقد اتضح مما سبق أن الحنفية يرون نسخ حديث ذي اليدين، ودعوى النسخ إن لم تسلم لهم، فإنها تدفع عنهم اتهام ابن أبي شيبة لهم بمُخالفة الحديث؛ لأن القول بنسخ الحديث ليس مُخالفة له كما هو معلوم.
***
الثالث عشر/ مَسْأَلَةُ إِعَادَةِ الفَجْرِ فِي الجَمَاعَةِ
(1) حدَّثنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا يَعْلَى بنُ عَطَاءٍ قال: حدَّثنِي جَابِرُ بنُ الأَسوَدِ عن أبيهِ قال: شَهِدتُ مع النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- حَجَّتَهُ، قال: فَصَلَّيْتُ مَعَهُ صَلاةَ الصُّبْحِ فِي مَسْجِدِ الخَيْفِ، فَلَمَّا قَضَى صَلاتضهُ وانحَرَفَ إذا هُوَ بِرَجُلَينِ فِي آخِرِ القَوْمِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ فقالَ: (عَلَيَّ بِهِمَا) فَأُتِيَ بِهِمَا تَرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا فقالَ: (مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟). قَالا: يَا رسولَ اللهِ كُنَّا قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا. قالَ: (فَلاَ تَفْعَلا، إِذَا صَلِّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتِيتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَلَلِّيَا مَعَهُمْ فِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ). أخرجه أبو داود (575)، والترمذي (219)، والنسائي (858).
(2) حَدثنَا وَكِيعٌ عن سُفيَانَ عن زَيدِ بن أَسلَمَ عن بُسْرٍ عن بِشْرِ بنِ مِحْجَنٍ الدُّؤَلِيّ عَن أبيهِ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بِنَحْوِهِ. أخرجه النسائي (857).
وَذُكِرَ أنَّ أبَا حنيفةَ قالَ: لا تُعَادُ الفَجْرُ.
***
مَنْ صلَّى الفريضة ثم أدركها في جماعة يُستحبُّ له إعادتُها، سواء صلَّى الأُولَى في جماعة أم مُنفردًا. وهذا قول الشافعي، وأحمد، وابن حزم. وقال مالك: تُستحب الإعادة لمن صلَّى منفردًا إلا صلاة المغرب، فإنه لا يستحب إعادتها. فإن أعادها فالمستحب عند مالك وأحمد أن يشفعها بركعة. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: يُعيد الظهر والعشاء ولا يُعيد سائر الصلوات.
قال صاحب الهداية: (فإن صلَّى من الفجر ركعة ثم أُقيمت يقطع ويدخل معهم)؛ لأنه لو أضاف إليها أخرى تفوته الجماعة، وكذا إذا قام إلى الثانية قبل أن يُقيدها بالسجدة، وبعد الإتمام لا يشرع في صلاة الإمام لكراهة التنفل بعد الفجر وكذا بعد العصر لما قلنا، وكذا بعد المغرب في ظاهر الرواية؛ لأن التنفل بالثلاث مكروه، وفي جعلها أربعًا مخالفة لإمامه. اهـ. راجع: الهداية وشروحها: فتح القدير (1/ 473)، والعناية (1/ 473)، ونصب الراية (2/ 169).
وجاء في المدونة (1/ 179): قال مالك: إذا جاء الرجل المسجد وقد صلَّى وحده في بيته فليُصلِّ مع الناس، إلا المغرب فإنه إن كان قد صلاها، ثم دخل المسجد فأقام المؤذن صلاة المغرب فليخرج. قلتُ لابن القاسم: فإن جهل ذلك فصلَّى مع الإمام المغرب ثانية؟ قال: أحب إلى أن يشفع صلاته الآخرة بركعة وتكون الأولى التي صلَّى في بيته صلاته. اهـ. وراجع: المنتقى (1/ 234)، ومختصر خليل وشروحه: التاج والإكليل (2/ 403)، وشرح الخرشي (2/ 18)، ومنح الجليل (1/ 352)، وحاشية الدسوقي (1/ 321).
وقال النووي في المجموع شرح المهذب (4/ 122): الصحيح عند أصحابنا: استحباب إعادة جميع الصلوات في جماعة سواء صلَّى الأولى جماعة أم منفردًا، وهو قول سعيد بن المسيم وابن جُبير والزهري، ومثله عن علي بن أبي طالب وحذيفة وأنس، ولكنهم قالوا في المغرب: يضيف إليها أخرى. وبه قال أحمد، وعندنا لا يُضيف. اهـ. وراجع: المنهاج وشروحه: مغني المحتاج (1/ 471)، وتحفة المحتاج (2/ 262)، ونهاية المحتاج (2/ 149).
وقال ابن قدامة في المغني (1/ 426): من صلَّى فرضه ثم أدرك تلك الصلاة في جماعة استحب له إعادتها، أيُّ صلاة كانت، بشرط أن تُقام وهو في المسجد، أو يدخل المسجد وهم يُصلون. فإن أُقيمت صلاة الفجر أو العصر وهو خارج المسجد لم يُستحب له الدخول. قال الأثرم: سألتُ أبا عبدالله عن مَن صلَّى في جماعة ثم دخل المسجد وهم يُصلون أيُصلِّي معهم؟ قال: نعم، إنما هي نافلة فلا يدخل، فإن دخل صلَّى وإن كان قد صلَّى في جماعة. قيل لأبي عبدالله: والمغرب؟ قال: نعم، إلا أنه في المغرب يشفع. اهـ.
وقال ابن حزم في المحلى (2/ 24): وأما إعادة من صلى إذا وجد جماعة تُصلِّي تلك الصلاة، فإن ذلك مستحب -مكروه تركه- في كل صلاة، سواء كان صلَّى منفردًا؛ لعُذرٍ أو في جماعة، وليُصلِّها ولو مرات كلما وجد جماعة تصليها. اهـ.
-أدلة الجمهور:
1- استدل الجمهور على استحباب إعادة الفريضة في جماعة بحديث يزيد بن الأسود وقد سبق سياقه من روابة ابن أبي شيبة وهو صريح في إعادة صلاة الفجر والعصر مثلها.
2- وبحديث مِحجن الدؤلي، ولفظه عند النسائي: أنه كان في مجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأَذَّنَ بالصلاة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رجع ومحجنٌ في مجلسه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما منعك أن تُصَلِّيَ أَلَسْتَ برجلٍ مُسلمٍ). قال: بلى، ولَكِنِّي كنتُ قد صليتُ في أهلي. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا جِئْتَ فصَلِّ مع الناس وإن كنتَ قد صليتَ).
3- وبما رواه مسلم (1497، 1501) عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كيف أنت إذا كانت عليك أُمراءُ يُؤخِّرون الصلاة عن وقتها أو يُميتون الصلاة عن وقتها). قال: قُلتُ: فما تأمرني. قال: (صَلِّ الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصلِّ فإنها لك نافلةٌ). وفي رواية: (فإن أدركتك الصلاةُ معهم فصلِّ، ولا تقل إني قد صليتُ فلا أصلي).
وهذه الأحاديث بعمومها تدل على الإعادة سواء صلَّى وحده أو في جماعة.
وقد روى أنس قال: صلَّى بنا أبو موسى الغداة في المربد، فانتهينا إلى المسجد الجامع فأُقيمت الصلاة فصلينا مع المُغيرة بن شُعبة.
وعن صلة عن حذيفة: أنه أعاد الظهر والعصر والمغرب، وكان قد صلاهن في جماعة. رواهما الأثرم. راجع: المغني (1/ 426).
واستدل مالك على استثناء المغرب بأنها وتر النهار فإن أعادها صارت شفعًا؛ ولذلك استُحب عند إعادتها أن تشفع بركعة، واستدل على تخصيص الإعادة بمن صلَّى منفردًا بالعادة، فإن من صلَّى في بيته عادة يُصلي وحده. راجع: الموطّأ عقب حديث(299).
-أدلة الحنفية:
1- استدل الحنفية على منع إعادة الفجر والعصر بعموم النهي عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس، وقد تقدم ذكر هذه الأحاديث مستوفاة في مسألة قضاء الصلاة، وأجابوا عن حديث يزيد الديلي بأنه معارض بتلك الأحاديث، فَتُقَدَّمُ لزيادة قوتها، ولأن المانع مقدم، واعتبارهم كون الخاص مطلقًا مقدمًا على العام ممنوع؛ بل يتعارضنا في ذلك الفرد وموضعه الأصول، أو يُحمل على ما قبل النهي في الأوقات المعلومة جمعًا بين الأدلة، فتكون الإعادة في الفجر والعصر منسوخة بالنهي عن الصلاة بعدهما، معمولًا بها في الصلوات الأخرى. راجع: فتح القدير (1/ 473)، وشرح معاني الآثار (1/ 364).
2- واستدلوا على نسخ ذلك في المغرب بما رواه الطحاوي عن ناعم بن أُجْيَل مولى أم سلمة قال: كنتُ أدخل المسجد لصلاة المغرب، فأرى رجالًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوسًا في آخر المسجد، والناس يُصلون فيه قد صلوا في بيوتهم.
قال الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 364): فهؤلاء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا لا يُصلون المغرب في المسجد، لما كانوا قد صلوها في بيوتهم، ولا يُنْكِر ذلك عليهم غيرُهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضًا، فذلك دليل -عندنا- على نسخ ما قد كان تقدمه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يجوز أن يكون مثل ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذهب عليهم جميعًا حتى يكونوا على خلافه، ولكن كان ذلك منهم لما قد ثبت عندهم فيه من نسخ ذلك القول. اهـ.
3- وبما رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 365) موقوفًا عن ابن عمر: إن صليت في أهلك ثم أدركت الصلاة فصلها إلا الصبح والمغرب، فإنهما لا يُعادان في يوم.
قال الكمال ابن الهمام في فتح القدير (1/ 473): وإذا ثبت هذا فلا يخفى وجه تعليل إخراجه الفجر بما يلحق به العصر خصوصًا على رأيهم، فإن الاستثناء عندهم من المُخصصات، ودليل التخصيص مما يعلل ويلحق به إخراجًا. اهـ.
وهذه المسألة كما ترى تشبه مسألة قضاء الصلاة؛ حيثُ قدَّم الحنفية في المسألتين أحاديث النهي عن الصلاة في أوقات الكراهة، على الأحاديث التي دلَّت على استثناء بعض الصلوات من هذا النهي؛ كقضاء الفوائت وإعادة الصلاة في جماعة، وجعل الحنفية أحاديث النهية لشُهرتها ناسخة لما عداها، وجعل الجمهور الأحاديث الأخرى مخصصة لعموم أحاديث النهي؛ فالخلاف ناشئ عن تعارض الأحاديث وكيفية الجمع بينها، وإذا كان الحال كذلك لا يُوصَف أحد الفريقينِ بمُخالفة الحديث.
***
الرابع عشر/ مَسْأَلَةٌ فِي الجَمَاعَةِ
(1) حدَّثنَا عَبْدَةُ عَن ابنِ أبِي عَرُوبَةَ عن سُلَيمَانَ النَّاجِي عن أبِي المُتَوَكِّلِ عن أبِي سَعيدٍ قال: جَاءَ رَجُلٌ وقد صَلَّى النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- قالَ: فقالَ لَهُ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (أَيُّكُمْ يَتَّجِرُ عَلَى هَذَا؟). قالَ: فقَامَ رَجُلٌ مِن القَوْمِ فَصَلَّى مَعَهُ. أخرجه أبو داود (574)، والترمذي وقال: حديث حسن.
وَذُكِرَ أنَّ أبَا حنيفةَ قالَ: لا تَجْمَعُواْ فِيهِ.
***
ذهب جمهور الفقهاء -الحنفية والمالكية والشافعية- إلى كراهة تكرار الجماعة في مسجد الحي الذي له إمام راتب وجماعة معلومون بغير إذن الإمام. وقال أحمد وإسحاق وادود وابن المنذر: لا تكره. أما إذا لم يكن له إمام راتب، أو كان المسجد في قارعة الطريق، فلا كراهة في الجماعة الثانية والثالثة وأكثر بالإجماع.
قال الكاساني في بدائع الصنائع (1/ 153): إن كان مسجدًا له أهل معلوم، فإن صلَّى فيه غير أهله لا يُكره لأهله أن يُعيدوا الجماعة، وإن صلَّى فيه أهله أو بعض أهله، يُكره لغير أهله وللباقين من أهله أن يُعيدوا الجماعة، وإن كان مسجدًا ليس له أهل معلوم بأن كان على شوارع الطريق لا يُكره تكرار الجماعة فيه. اهـ. وراجع: المبسوط (1/ 135)، والموسوعة الفقهيّة (27/ 175).
وقال مالك في المدونة (1/ 181): لا يجمع الصلاة في مسجد مرتين، إلا أن يكون مسجدًا ليس له إمام راتب فلكل من جاء أن يجمع فيه. اهـ. وراجع: المنتقى (1/ 232)، ومختصر خليل وشروحه: والتاج والإكليل (2/ 437)، ومنح الجليل (1/ 367)، ومواهب الجليل (2/ 109)، وشرح الخرشي (2/ 30).
وقال النووي في المجموع (4/ 119): إن كان للمسجد إمام راتب، وليس هو مطروقًا، كره لغيره إقامة الجماعة فيه ابتداءً قبل فوات مجئ إماممه، ولو صلَّى الإمام كُرِهَ أيضًا إقامة جماعة أخرى فيه بغير إذنه؛ لأنه ربما اعتقد أنه قصد الكياد والإفساد، هذا هو الصحيح المشهور به قطع الجمهور، وإن كان المسجد مطروقًا أو غير مطروق وليس له إمام راتب، لم تُكره إقامة الجماعة الثانية فيه؛ لأنه لا يحتمل الأمر فيه على الكياد. اهـ. وراجع: المنهاج وشروحه: تحفة المحتاج (2/ 277)، ونهاية المحتاج (2/ 162).
وقال ابن قدامة في المغني (2/ 5): ولا يُكره إعادة الجماعة في المسجد، ومعناه أنه إذا صلى إمام الحي، وحضر جماعة أخرى، استحب لهم أن يُصلُّو جماعة، وهو قول ابن مسعود وعطاء والحسن والنخعي وقتادة وإسحاق. وقال سالم وأبو قلابة وأيوب وابن عون والليث والبتي والثوري ومالك وأبو حنيفة والأوزاعي والشافعي: لا تُعاد الجماعة في مسجد له إمام راتب في غير ممر الناس، فمن فاتته الجماعة صلى مُنفردًا. اهـ. وراجع: الفروع (1/ 483).
-أدلة الحنابلة:
1- اتسدل الحنابلة بعموم حديث ابن عمر في الصحيحين -عند البخاري (645)، ومسلم (1509)- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذّ بسبعٍ وعشرينَ درجة).
2- وبحديث أبي سعيد السابق في أول المسألة.
3- وبما رواه أحمد في مُسنده (5/ 254) عن أبي أمامة: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يصلي فقال: (ألا رجلٌ يتصدق على هذا فيُصلي معه). فقام رجل فصلى معه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذان جماعة).
4- وبأنه قادرٌ على الجماعة فاستُحب له فعلها، كما لو كان المسجد في ممر الناس.
-أدلة الجمهور:
استدل الحنفية على كراهة الجماعة بما رواه الطبراني في المعجم الأوسط (7/ 51) من طريق الوليد بن مُسلم عن معاوية بن يحيى عن خالد الحذاء عن عبدالرحمن ابن أبي بكرة عن أبيهِ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل من بعض نواحي المدينة يُريد الصلاة، فوجد الناس قد صلّوا، فذهب إلى منزله فجمع أهله ثم صلَّى بهم. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (2/ 45): رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله ثقات. اهـ. وبحثت عنه في المعجم الكبير فلم أجده، ومعاوية بن يحيى أبو مُطيع الأطرابلسي قال عنه أبو حاتم وأبو زُرعة: صدوق مُستقيم الحديث. وقال أبو زُرعة: وأبو علي النيسابوري: ثقة. وقال ابن معين: ليس به بأس. وفي رواية: صالح ليس بذاك القوي. وقال أبو داود والنسائي: لا بأس به. راجع: تهذيب الكمال (28/ 224)، وميزان الاعتدال (4/ 139).
قال الكاساني في بدائع الصنائع (1/ 153): ولو لم يُكره تكرار الجماعة في المسجد لما تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم. اهـ.
ونُعِقِّبُ بأن الحديث ليس بنصٍّ على أنه صلى الله عليه وسلم جمع أهله فصلَّى بهم في منزله؛ بل يحتمل أن يكون صلى بهم في المسجد، وكان ذهابه إلى منزله لجمع أهله لا للصلاة فيه، ومع هذا الاحتمال لا يصح الاستدلال به. راجع: تحفة الأحوذي (2/ 9).
وأَوْلَى مما استدل به الكاساني أن يُقال: إن جمهور العلماء كره تكرار الجماعة لأمرين:
1- لأنه يُفضي في الغالب إلى الاختلاف والفُرقة بين المسلمين، وقد أعرب الإمام الشافعي عن هذا المعنى بأحسن بيان فقال -كما في الأم (1/ 180)-: وأحسبُ كراهية من كره ذلك منهم إنما كان لتفرق الكلمة، وأن يرغب رجل عن الصلاة خلف إمام جماعة، فيتخلف هو ومن أراد عن المسجد في وقت الصلاة، فإذا قضيت دخلوا فجمعوا، فيكون في هذا اختلاف وتفرُّق كلمة وفيهما المكروه. وإنما أكرهُ هذا في كل مسجد له إمام ومؤذن، فأما مسجد بُنِيَ على ظهر الطريق، أو ناحية لا يؤذن فيه مؤذن راتب، ولا يكون له إمام معلوم، ويُصلي فيه المارة ويستظلون، فلا أكره ذلك فيه؛ لأنه ليس فيه المعنى الذي وصفت من تفرق الكلمة. اهـ.
2- ولأنه يُؤدي إلى تقليل الجماعة؛ لأن الناس إذا علموا أنهم تفوتهم الجماعة فيستعجلون فتكثر الجماعة، وإذا علموا أنها لا تفوتهم يتأخرون فتقل الجماعة، وتقليل الجماعة مكروه بخلاف الماسجد التي على قوارع الطرق؛ لأنها ليست لها أهل معروفون، فأداء الجماعة فيها مرة بعد أخرى لا يؤدي إلى تقليل الجماعات، وبخلاف ما إذا صلَّى فيه غير أهله؛ لأنه لا يؤدي إلى تقليل الجماعة؛ لأن أهل المسجد ينتظرون أذان المؤذن المعروف فيحضرون حينئذ -وراجع: بدائع الصنائع (1/ 153)-. ومتى تعينت المفسدة من أمر مُنِعَ ولو كان في أصله جائزًا؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ولا شك أن تعدد الجماعات يسبب فتنًا شديدة بين المسلمين كما هو معلوم.
هذا كله كله إذا كانت الجماعة الثانية كبيرة أو يُدعى إليها، أما إذا كانت هيئتها كالمذكورة في الحديث فقد أجازها طائفة ممن منع تكرار الجماعة على الهيئة المكروهة.
قال الكاساني في بدائع الصنائع (1/ 153): ورُوي عن أبي يُوسف أنه إنما يُكره إذا كانت الجماعة الثانية كثيرة، فأما إذا كانوا ثلاثة أو أربعة فقاموا في زاوية من زوايا المسجد وصلوا بجماعة لا يكره. ورُوي عن مُحمد أنه إنما يُكره إذا كانت الثانية على سبيل التداعي والاجتماع، فأما إذا لم يكن فلا يُكره. اهـ.
وقال النووي في المجموع (4/ 119): أما إذا حضر واحد بعد صلاة الجماعة فيُستحب لبعض الحاضرين الذين صلُّوا أن يُصلِّي معه لتحصل له الجماعة، ويُستحب أن يشفع له من له عُذر في عدم الصلاة معه إلى غيره ليُصلي معه لحديث أبي سعيد الخدري. اهـ.
يتضح من ذلك أن مذهب الجمهور ليس فيه مُخالفة للحديث؛ فالمكروه عندهم تلك الجماعة التي يترتب عليها مفسدة بين المسلمين، وهذا أمر ينبغي أن يكون محل اتفاق بين أهل العلم، وليس سببًا في اتهام الجمهور بمُخالفة الحديث كما فعل ابن أبي شيبة.
الكلمات المفتاحية :
الفقه الحنفي
هذه التدوينة قابلة للنسخ اذا اعجبتك قم بنسخ الرابط من هذه الروابط الثلاثة والصقه بموقعك
URL: HTML link code: BB (forum) link code:
ليست هناك تعليقات: