الفقه الحنبلي - الوضوء - المسح
(فصل) فان نكس وضوءه فبدأ بشئ من اعضائه قبل وجهه لم يحتسب بما غسله، قبله وإن بدأ برجليه وختم بوجهه لم يصح إلا غسل وجهه، وإن توضأ منكسا اربع مرات صح وضوؤه إذا كان متقاربا يحصل له من كل مرة غسل عضو ومذهب
الشافعي نحو هذا ولو غسل اعضاءه دفعة واحدة لم يصح إلا غسل وجهه وإن انغمس في ماء جار فلم يمر على اعضائه إلا جرية واحدة فكذلك وإن مر عليه أربع جريات وقلنا الغسل يجزئ عن المسح أجزأه كما لو توضأ أربع مرات، وإن كان الماء راكدا فقال بعض أصحابنا إذا أخرج وجهه ثم يديه ثم مسح رأسه ثم خرج من الماء أجزأه لان الحديث انما يرتفع بانفصال الماء عن العضو.
ونص أحمد في رجل أراد الوضوء فاغتمس في الماء ثم خرج من الماء فعليه مسح رأسه وغسل رجليه وهذا يدل على أن الماء إذا كان جاريا فمرت عليه جرية واحدة أنه يجزئه مسح
رأسه ثم يغسل رجليه.
وإن اجتمع الحدثان سقط الترتيب والموالاة على ما سنذكره إن شاة الله تعالى (مسألة) قال (والموالاة على إحدى الروايتين) الموالاة هي الشرط السادس وفيها روايتان (احداهما) هي واجبة نص عليها أحمد في مواضع وهو قول الاوزاعي وقتادة وأحد قولي الشافعي، قال القاضي وفيها رواية أخرى أنها غير واجبة وهو قول النخعي والحسن والثوري وأصحاب الرأي والقول الثاني للشافعي واختاره ابن المنذر لان المأمور به غسل الاعضاء فكيفما غسل فقد أتى بالمأمور به، وقد ثبت أن ابن عمر توضأ بالسوق فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه ثم دعي لجنازة فمسح على خفيه ثم صلى عليها ولانها احدى الطهارتين فلم تجب فيها الموالاة كالكبرى.
وقال مالك ان تعمد التفريق بطل والا فلا.
ووجه الاولى ما روى عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة لم يصبها الماء فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد الوضوء والصلاة رواه أبو داود (1) ولو لم تجب الموالاة لاجزأه غسل اللمعة حسب ولانها عبادة يفسدها الحدث فاشترطت لها الموالاة كالصلاة والآية دلت على وجوب الغسل وبين النبي صلى الله عليه وسلم كيفيته بفعله فانه لم ينقل عنه أنه توضأ الا متواليا وغسل الجنابة بمنزلة العضو الواحد، وحكى بعض أصحابنا فيه منعا ذكره الشيخ أبو الفرج وفعل ابن عمر ليس فيه دليل على أنه أخل بالموالاة المشترطة
__________
1) راجع حديث عمر عند مسلم في أول ص 123 من المغني
(مسألة) قال (وهو أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله) في الزمان المعتدل اعتبار الزمن الحار الذي يسرع فيه النشاف ولا بالزمن البارد الذي يبطئ فيه، ولا يعتبر ذلك بين طرفي الطهارة، وقال ابن عقيل التفريق المبطل في احدى الروايتين ما يفحش في العادة لانه يحد في الشرع فرجع فيه إلى العادة كلاحراز والتفرق في البيع (فصل) فان نشفت أعضاؤه لاشتغاله بفرض في الطهارة أو سنة لم يبطل كما لو طول أركان الصلاة، وإن كان لوسوسة تلحقه فكذلك ويحتمل أن يبطل الوضوء لانه غير مفروض ولا مسنون وإن كان ذلك لعبث أو شئ زائد على المسنون وأشباهه عد تفريقا (مسألة) قال (والنية شرط لطهارة الحدث كله) الغسل والوضوء والتيمم، والنية هي القصد
يقال نواك الله بخير أي قصدك ومحلها القلب لان محل القصد القلب فمتى اعتقد بقلبه أجزأ وإن لم يلفظ بلسانه، وإن لفظ بلسانه ولم يقصد بقلبه لم يجزه، ولو سبق لسانه إلى غير ما اعتقده لم يمنع صحة ما قصده بقلبه.
ولا خلاف في المذهب في اشتراط النية لما ذكرنا، وروي ذلك عن علي رضي الله عنه وهو قول مالك وربيعة والليث والشافعي واسحاق وأبي عبيد وابن المنذر، وقال الثوري وأصحاب الرأي تشترط النية في التيمم دون طهارة الماء لان الله تعالى قال (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) الآية ولم يذكر النية ولو كانت شرطا لذكرها، ولان مقتضى الامر حصول الاجزاء بفعل المأمور به فتقتضي الآية حصول الاجزاء بما تضمنته ولانها طهارة بالماء فلم تفتقر إلى النية كغسل النجاسة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " انما الاعمال بالنيات، وانما لكل امرئ ما نوى " متفق عليه فنفى أن يكون له عمل شرعي بدون النية، ولانها طهارة عن حدث فلم تصح بغير نية كالتيمم فأما الآية فهي حجة لنا فان قوله (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) أي للصلاة كما يقال إذا لقيت الامير فترجل أي له، وقولهم لو كانت النية شرطا لذكرها، قلنا انما ذكر الاركان ولم يذكر الشرائط كآية التيمم، وقولهم مقتضى الامر حصول الاجزاء به قلنا بل مقتضاه وجوب الفعل ولا يمنع أن
يشترط له شرط آخر كآية التيمم وقولهم إنها طهارة قلنا إلا أنها عبادة والعبادة لا تكون الا منوية كالصلاة لانها قربة إلى الله تعالى وطاعة وامتثال أمر ولا يحصل ذلك بغير نية (مسألة) قال (وهي أن يقصد رفع الحدث أو الطهارة لما لا يباح إلا بها) متى قصد بطهارته رفع الحديث وهو إزالة المانع مما يفتقر إلى الطهارة أو قصد بطهارته الصلاة والطواف ومس المصحف أو قصد الجنب بالغسل اللبث في المسجد صحت طهارته عند القائلين باشتراط النية لا نعلم بينهم فيه اختلافا، فان نوى التبرد وما لا تشرع له الطهارة كالاكل والبيع ولم ينو الطهارة لم يرتفع حدثه لانه لم ينو الطهارة ولا ما يتضمن نيتها فأشبه من لم يقصد شيئا، وان نوى الطهارة مع ذلك صحت الطهارة لانه نوى الطهارة وضم إليها مالا ينافيه فلم يؤثر كما لو نوى بالصلاة الطاعة والخلاص من خصمه (مسألة) قال (فان نوى ما تسن له الطهارة أو التجديد فهل يرتفع حدثه؟ على روايتين
وجملته إذا نوى ما تشرع له الطهارة ولا تشترط كقراءة القرآن والاذان والنوم أو نوى التجديد ثم بان أنه كان محدثا ففيه روايتان (إحداهما) لا تصح طهارته لانه لم ينو رفع الحدث ولا ما يتضمنه أشبه ما لو نوى التبرد (والثانية) تصح طهارته وهي أصح لانه نوى طهارة شرعية فينبغي أن تحصل له للخبر ولانه يشرع له فعل هذا وهو غير محدث وقد نوى ذلك فينبغي أن يحصل ولانه نوى شيئا من ضرورته صحة الطهارة وهو الفضيلة الحاصلة لمن فعل ذلك على طهارة، فان قيل يبطل بما إذا نوى بطهارته ما لا تشرع له الطهارة قلنا ان نوى طهارة شرعية مثل من قصد الاكل وهو على طهارة شرعية أو قصد أن لا يزال على وضوء فهي كمسئلتنا تصح طهارته.
وان قصد نظافة أعضائه من وسخ أو غيره لم تصح طهارته لانه لم يقصدها، وان نوى وضوءا مطلقا أو طهارة مطلقة ففيه وجهان (أحدهما) يصح لان الوضوء والطهارة عند الاطلاق ينصرفان إلى المشروع فيكون ناويا لطهارة شرعية (والوجه الثاني) لا يصح لانه قصد ما يباح بدون طهارة أشبه قصد الاكل ولان الطهارة تنقسم إلى مشروع
وغيره فلم تصح مع التردد والطهارة المطلقة منها مالا يرفع الحدث كالطهارة من النجاسة (مسألة) وان نوى غسلا مسنونا فهل يجزئ عن الواجب؟ على وجهين) مضى توجيههما (مسألة) (وان اجتمعت أحداث توجب الوضوء أو الغسل فنوى بطهارته أحدها فهل يرتفع سائرها؟ على وجهين) أحدهما لا يرتفع الا ما نواه قاله أبو بكر لانه لم ينوه أشبه إذا لم ينو شيئا، وقال القاضي يرتفع لان الاحداث تتداخل فإذا ارتفع بعضها ارتفع جميعها كما لو نوى رفع الحدث، وان نوى صلاة واحدة نفلا أو فرضا لا يصلي غيرها ارتفع حدثه ويصلي ما شاء لان الحدث إذا ارتفع لم يعد الا بسبب جديد ونية الصلاة تضمنت رفع الحدث (مسألة) (ويجب تقديم النية على أول واجبات الطهارة) لانها شرط لها فيعتبر وجودها في جميعها وأول واجباتها المضمضة أو التسمية على ما ذكرنا من الخلاف.
فان وجد شئ من واجبات الطهارة قبل النية لم يعتد به فان غسل الكفين بغير نية فهو كمن لم يغسلهما (ويستحب تقديمها على مسنوناتها) فيقدمها على غسل الكفين لتشمل مفروض الوضوء ومسنونه فان غسل الكفين بغير نية فهو كمن لم يغسلهما
(مسألة) (واستصحاب ذكرها في جميعها وان استصحب حكمها أجزأه) وجملته أنه يستحب استصحاب ذكر النية إلى آخر طهارته لتكون أفعاله مقترنة بالنية فان استصحب حكمها أجزأه، ومعنى استصحاب حكمها أن لا ينوي قطعها فان عزبت عن خاطره لم يؤثر في قطعها كالصلاة والصيام، ويجوز تقديم النية على الطهارة بالزمن اليسير قياسا على الصلاة، فان قطع النية في أثناء طهارته وفسخها مثل أن ينوي أن لا يتم طهارته فقال ابن عقيل تبطل الطهارة من أصلها لانها تبطل بالمبطلات أشبهت الصلاة وقال شيخنا لا يبطل ما مضى من طهارته لانه وقع صحيحا أشبه ما لو نوى قطعها بعد الفراغ من الوضوء وما غسله من أعضائه بعد قطع النية لا يعتد به فان أعاد غسله بنية أخرى قبل طول الفصل صحت طهارته.
وان طال الفصل انبني على وجوب الموالاة، فأما إن غسل بعض أعضائه بنية
الوضوء وبعضها بنية التبرد ثم أعاد غسل ما نوى به التبرد بنية الوضوء قبل طول الفصل أجزأه والا ابتنى على وجوب الموالاة وجها واحدا، فان فسخ النية بعد الفراغ منها لم تبطل كالصلاة ويحتمل أن تبطل لان الطهارة تبطل بالحدث بعد فراغها بخلاف الصلاة (فصل) إذا شك في النية أثناء الطهارة لزمه استئنافها كما لو شك في نية الصلاة وهو فيها لان النية هي القصد فمتى علم أنه جاء ليتوضأ أو أراد فعل الوضوء مقارنا له أو سابقا عليه قريبا منه فقد وجدت النية.
فمتى شك في وجود ذلك في أثناء طهارته لم يصح ما مضى منها وهكذا إن شك في غسل عضو أو مسح رأسه حكمه حكم من لم يأت به لان الاصل عدمه إلا أن يكون وهما كالوسواس فلا يلتفت إليه.
وان شك في شئ من ذلك بعد فراغه من الطهارة لم يلتفت إليه لانه شك في العبادة بعد فراغه منها أشبه الشك في شرط الصلاة، ويحتمل أن تبطل لان حكمها باق بدليل انها تبطل بمبطلاتها بخلاف الصلاة.
والاول أصح لانها كانت محكوما بصحتها فلا يزول ذلك بالشك كما لو شك في وجود الحدث والله أعلم (فصل) فان وضأه غيره أو يممه اعتبرت النية من المتوضئ دون الموضئ لانه المخاطب بالوضوء والموضئ آلة له فهو كحامل الماء إليه، وإن توضأ وصلى صلاة ثم أحدث وتوضأ وصلى أخرى ثم علم انه ترك واجبا في أحد الوضوءين لزمه إعادة الوضوء والصلاتين
(فصل) (وصفة الوضوء أن ينوي ثم يسمي ثم يغسل يديه ثلاثا) هذه صفة الوضوء الكامل ووجهه ما ذكرنا (ثم يتمضمض ويستنشق ثلاثا من غرفة وان شاء من ثلاث وان شاء من ست) المضمضة إدارة الماء في الفم والاستنشاق اجتذاب الماء بالنفس إلى باطن الانف.
والاستنثار مستحب وهو اخراج الماء من الانف وقد يعبر بالاسستنثار عن الاستنشاق لكونه من لوازمه ولا تجب ادارة الماء في جميع الفم ولا ايصال الماء إلى جميع باطن الانف وانما ذلك مبالغة مستحبة وقد ذكرناها، فان جعل الماء في فيه ينوي رفع الحدث الاصغر ثم ذكر أنه جنب فنوى رفع الحدثين ارتفعا لان الماء انما يثبت
له حكم الاستعمال بعد الانفصال، ولو لبث الماء في فيه حتى تغير بما يتحلل من ريقه لم يمنع لان التغير في محل الازالة لا يمنع كما لو تغير الماء على عضوه بعجين عليه (فصل) ويستحب أن يتمضمض ويستنشق بيمينه ثم يستنثر بيساره لما روي عن عثمان انه توضأ فدعا بماء فغسل يديه ثم غرف بيمينه ثم رفعها إلى فيه فتمضمض واستنشق بكف واحدة واستنثر بيسار فعل ذلك ثلاثا ثم ذكر سائر الوضوء ثم قال ان النبي صلى الله عليه وسلم توضأ لنا كما توضأت لكم.
رواه سعيد، وهو مخير بين أن يتمضمض ويستنشق بغرفة أو بثلاث أو بست لما ذكرنا من حديث عثمان، وقال الاثرم: سمعت أبا عبد الله يسئل أيما أحب اليك المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة أو كل واحدة منها على حدة؟ قال بغرفة واحدة، وفي حديث عبد الله بن أبي زيد تمضمض واستنثر ثلاثا من غرفة واحدة رواه البخاري وعن علي رضي الله عنه أنه توضأ فتمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا من كف واحدة وقال هذا وضوء نبيكم صلى الله عليه وسلم من المسند، وفي لفظ أنه مضمض واستنشق واستنثر ثلاثا بثلاث غرفات متفق عليه وفي حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده أنه فصل بين المضمضة والاستنشاق رواه أبو داود ولان الكيفية في الغسل غير واجبة ولا يجب الترتيب بين المضمضة والاستنشاق وبين الوجه لانهما من جملته لكن يستحب أن يبدأ بهما لان الذين وصفوا وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ذكروا أنه بدأ بهما الا شيئا نادرا، وهل يجب الترتيب بينهما وبين سائر الاعضاء؟ على روايتين (احداهما) يجب لانهما من الوجه فوجب غسلهما قبل اليدين كسائره (والثانية) لا يجب بل لو تركهما وصلى تمضمض واستنشق وأعاد الصلاة ولم
يعد الوضوء لما روى المقدام بن معد يكرب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بوضوء فغسل كفيه ثلاثا ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل ذراعيه ثلاثا ثم تمضمض واستنشق رواه أبو داود، قال أصحابنا وهل يسميان فرضا إذا قلنا بوجوبهما على روايتين وهو مبنى على اختلاف الروايتين في الواجب هل يسمى فرضا أم لا والصحيح تسميته فرضا فيسميان فرضا والله أعلم (مسألة) قال (وهما واجبان في الطهارتين وعنه أن الاستنشاق وحده واجب وعنه أنهما واجبان في الكبرى دون الصغرى) وجملة ذلك أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الطهارتين الغسل والوضوء جميعا لان غسل الوجه فيهما واجب وهما من الوجه.
هذا المشهور في المذهب وهو قول ابن المبارك وابن أبي ليلى وإسحاق، وروي عن أحمد أن الاستنشاق وحده واجب في الطهارتين ذكر القاضي ذلك في المجرد رواية واحدة وبه قال أبو عبيد وأبو ثور قال ابن المنذر لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه (1) ثم لينثر " متفق عليه ولمسلم " من توضأ فليستنشق " أمر والامر يقتضي الوجوب ولان الانف لا يزال مفتوحا وليس له غطاء يستره بخلاف الفم، وقال غير القاضي من أصحابنا عن احمد رواية أخرى أنهما واجبان في الكبرى دون الصغرى وهذا مذهب الثوري وأصحاب الرأي لان الكبرى يجب فيها غسل ما تحت الشعور الكثيفة ولا يمسح فيها على الخفين فوجبا فيها بخلاف الصغرى، وقال مالك والشافعي هما مسنونان في الطهارتين وروي ذلك عن الحسن والحكم وربيعة والليث والاوزاعي لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " عشر من الفطرة " وذكر منها المضمضة والاستنشاق.
والفطرة السنة وذكره لهما من الفطرة يدل على مخالفتهما لسائر الوضوء ولانهما عضوان باطنان فلم يجب غسلهما كباطن اللحية وداخل العينين ولان الوجه ما تحصل به المواجهة ولا تحصل المواجهة بهما ولنا ما روت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " المضمضة والاستنشاق من الوضوء
__________
1) أي فليجعل في انفه ماء - حذف المفعول في اكثر روايات البخاري وثبت في بعضها وفي رواية مسلم.
وقوله فلينثر من الثلائي وفي رواية فلينثر
الذي لابد منه " رواه أبو بكر في الشافي.
وعن أبي هريرة قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمضمضة والاستنشاق
وفي حديث لقيط بن صبرة " إذا توضأت فتمضمض " رواه أبو داود وأخرجه الدار قطني.
ولان كل من وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقصى ذكر أنه تمضمض واستنشق ومداومته عليهما تدل على وجوبهما لان فعله يصلح أن يكون بيانا لامر الله تعالى ولانهما عضوان من الوجه في حكم الظاهر لا يشق غسلهما فوجب لقوله تعالى (فاغسلوا وجوهكم) والدليل على أنهما في حكم الظاهر ان الصائم لا يفطر بوضع الطعام فيهما ويفطر بوصول القئ اليهما ولا يجب الحد بترك الخمر فيها ويجب غسل النجاسة فيهما، فأما كونهما من الفطرة فلا ينفي وجوبهما لانه ذكر الختان في الفطرة وهو واجب.
فأما غسل داخل العينين فلنا فيه منع وباطن اللحية يشق غسله فلذلك لم يجب في الوضوء ويجب في الطهارة الكبرى والله أعلم (مسألة) قال (ويغسل وجهه ثلاثا وحده من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولا مع ما استرسل من اللحية ومن الاذن إلى الاذن عرضا) غسل الوجه ثلاثا مستحب لما ذكرنا من حديث علي وغيره وغسله مرة واجب بالنص والاجماع وقد ذكرناه، وقوله في حده من منابت شعر الرأس يعني في غالب الناس ولا اعتبار بالاصلع الذي ينحسر شعره عن مقدم رأسه ولا بالاقرع الذي ينزل شعره إلى وجهه بل بغالب الناس فالاصلع يغسل إلى حد منابت الشعر في غالب الناس والاقرع يغسل الشعر الذي ينزل عن الوجه في الغالب.
وقال الزهري الاذن من الوجه لقوله صلى الله عليه وسلم " سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره " رواه مسلم أضاف السمع إلى الوجه كما أضاف البصر، وقال مالك: ما بين اللحية والاذن ليس من الوجه ولا يجب غسله لان الوجه
ما تحصل به المواجهة وهذا لا يواجه به.
قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدا من فقهاء الامصار قال بقول مالك هذا ولنا على الزهري قول النبي صلى الله عليه وسلم " الاذنان من الرأس " رواه ابن ماجه (1) ولم يحك أحد أنه غسلهما مع الوجه وانما أضافهما إلى الوجه للمجاورة، وعلى مالك أن هذا من الوجه في حق من لا لحية له فكذلك من له لحية كسائر الوجه وهذا تحصل به المواجهة من الغلام، ويستحب تعاهد المفصل بالغسل وهو ما بين اللحية والاذن نص عيه الامام أحمد، ويدخل في الوجه العذار وهو الشعر الذي على العظم الناتي.
سمت صماخ الاذن والعارض الذي تحت العذار وهو الشعر النابت على الخد واللحيين
قال الاصمعي: ما جاور وتد الاذن عارض، والذقن الشعر الذي على مجمع اللحيين فهذه الشعور النلاثة من الوجه يجب غسلها معه، وكذلك الحاجبان وأهداب العينين والشارب والعنفقة.
فأما الصدغ وهو الذي فوق العذار وهو يحاذي رأس الاذن وينزل عن رأسها قليلا ففيه وجهان (أحدهما) هو من الوجه اختاره ابن عقيل لحصول المواجهة به واتصاله بالعذار (والثاني) أنه من الرأس وهو الصحيح لان في حديث الربيع أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه وصدغيه وأذنيه مرة واحدة.
رواه أبو داود ولم ينقل أحد أنه غسله مع الوجه.
ولانه شعر يتصل بشعر الرأس وينبت معه في حق الصغير بخلاف العذار فأما التحذيف وهو الشعر الداخل في الوجه ما بين انتهاء العذار والنزعة فقال ابن حامد هو من الوجه لانه شعر بين بياض الوجه أشبه العذار، وقال القاضي يحتمل أنه من الرأس لانه شعر متصل به لم يخرج عن حده أشبه الصدغ، قال شيخنا والاول أصح لان محله لو لم يكن عليه شعر كان من الوجه
فكذلك إذا كان عليه شعر كسائر الوجه.
وأما النزعتان وهما ما انحسر عنه الشعر من الرأس متصاعدا في جانبي الرأس فقال ابن عقيل هما من الوجه لقول الشاعر: فلا تنكحي إن فرق الله بيننا * أغم القفا والوجه ليس بأنزعا وقال القاضي وشيخنا هما من الرأس وهو الصحيح لانه لا تحصل بهما المواجهة ولدخولهما في حد الرأس لانه ما ترأس وعلا، وذكر ابن عقيل في الشعر المسامت للنزعتين هل هو من الوجه ام لا؟ على وجهين ويجب غسل ما استرسل من اللحية في ظاهر المذهب وكذلك ما خرج عن حد الوجه عرضا وهذا ظاهر مذهب الشافعي لانها من الوجه بدليل ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قد غطى لحيته في الصلاة فقال " اكشف لحيتك فان اللحية من الوجه " ولانه نابت في محل الفرض أشبه اليد الزائدة ولانها تحصل بها المواجهة أشبهت سائر الوجه، وقال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه لا يجب غسل ما نزل منها عن حد الوجه طولا ولا ما خرج عرضا لانه شعر خارج عن محل الفرض أشبه ما نزل من شعر الرأس، وروي عن أبي حنيفة أنه لا يجب غسل اللحية الكثيفة وما تحتها من بشرة الوجه لان الوجه اسم للبشرة التي تحصل بها المواجهة ولم يوجد ذلك في واحدة منهما، وقال الخلال الذي ثبت
عن أبي عبد الله في اللحية أنه لا يغسلها وليست من الوجه، وظاهر هذا كمذهب أبي حنيفة فيما ذكر عنه آخرا، والمشهور عن أبي حنيفة وجوب غسل ربع اللحية كقوله في مسح الرأس والقول
الاول هو المشهور في المذهب.
وما روي عن أحمد يحتمل أنه أراد ما خرج عن الوجه منها كما ذكرنا عن الشافعي وأبي حنيفة فعلى هذا يصير فيه روايتان.
ويحتمل انه أراد غسل باطنها فيكون موافقا للقول الاول وهو الصحيح إن شاء الله.
وقياسهم على النازل من شعر الرأس لا يصح لانه لا يدخل في اسم الرأس وهذا يدخل في اسم الوجه لما ذكرنا من الحديث (مسألة) (فان كان فيه شعر خفيف يصف البشرة وجب غسلها معه.
وإن كان يسترها أجزأه غسل ظاهره ويستحب تخليله) أما إذا كانت الشعور في الوجه تصف البشرة وجب غسل البشرة والشعر لان البشرة ظاهرة تحصل بها المواجهة فوجب غسلها كالتي لا شعر عليها ويجب غسل الشعر لانه نابت في محل الفرض تبع له، وإن كان كثيفا يستر البشرة أجزأه غسل ظاهره لحصول المواجهة به ولم يجب غسل ما تحته لانه مستور أشبه باطن الانف.
ويستحب تخليله وقد ذكرنا ذلك في سنة الوضوء، ولا يجب التخليل لا نعلم فيه خلافا في المذهب وهو مذهب أكثر أهل العلم لان الله تعالى أمر بالغسل ولم يذكر التخليل ولان أكثر من حكى وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحكه ولو كان واجبا لما أخل به ولو فعله لنقله الذين نقلوا وضوءه أو أكثرهم.
وتركه لذلك يدل على أن غسل ما تحت الشعر الكثيف ليس بواجب لان النبي صلى الله عليه وسلم كان كثيف اللحية فلا يبلغ الماء إلى تحت شعرها إلا بالتخليل وفعله للتخليل في بعض أحيانه يدل على استحبابه، وقال
إسحاق إذا ترك تخليل لحيته عامدا أعاد الوضوء لما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء فأدخله تحت حنكه وخلل به لحيته، وقال " هكذا أمرني ربي عزوجل " رواه أبو داود ولما ذكرنا من حديث ابن عمر، وقال عطاء وأبو ثور يجب غسل ما تحت الشعور الكثيفة في الوضوء قياسا على الجنابة ونحوه قول سعيد بن جبير.
وقول الجمهور أولى، والفرق بين الوضوء والغسل أن
غسل باطن الشعر الكثيف يشق في الوضوء لتكرره بخلاف الغسل، فان كان بعض الشعر كثيفا وبعضه خفيفا وجب غسل بشرة الخفيف معه وظاهر الكثيف.
وجميع شعور الوجه في ذلك سواء، وذكر بعض أصحابنا في الشارب والعنفقة والحاجبين وأهداب العينين ولحية المرأة إذا كانت كثيفة وجهين (أحدهما) يجب غسل باطنها لانها لا تستر عادة وإن وجد ذلك فهو نادر ينبغي أن لا يتعلق به حكم وهو مذهب الشافعي (والثاني) لا يجب قياسا على لحية الرجل ودعوى الندرة في غير الاهداب ممنوع والله أعلم (فصل) ولا يجب غسل داخل العينين ولا يستحب في وضوء ولا غسل لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله ولا أمر به وفيه ضرر، وذكر القاضي في المجرد في وجوبه روايتين عن بعض الاصحاب قال ابن عقيل انما الروايتان في وجوبه في الغسل فأما في الوضوء فلا يجب رواية واحدة وذكر أن أحمد نص على استحبابه في الغسل لانه يعم جميع البدن ويجب فيه غسل ما تحت الشعور الكثيفة وذكره القاضي وأبو الخطاب من سنن الوضوء لانه روي عن ابن عمر أنه عمي من كثرة إدخال الماء
في عينيه ولانهما من جملة الوجه، والاول أولى وهو اختيار شيخنا وما ذكر عن ابن عمر فهو دليل على كراهته لكونه ذهب ببصره، وفعل ما يخاف منه ذهاب البصر إذ لم يرد به الشرع ولم يكن محرما فلا أقل من الكراهة والله أعلم (فصل) ويستحب التكثير في ماء الوجه لان فيه غضونا وشعورا ودواخل وخوارج ليصل الماء إلى جميعه وقد روى علي رضي الله عنه في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثم أدخل يديه في الاناء جميعا فأخذ بهما حفنة من ماء فضرب بهما على وجهه ثم الثانية ثم الثالثة مثل ذلك ثم أخذ بكفه اليمنى قبضة من ماء فتركها تستن على وجهه رواه أبو داود يعني تسيل وتنصب.
قال محمد بن الحكم كره أبو عبد الله أن يأخذ الماء ثم يصبه ثم يغسل وجهه وقال هذا مسح ولكنه يغسل غسلا والله أعلم (مسألة) (ثم يغسل يديه إلى المرفقين ثلاثا ويدخل المرفقين في الغسل) غسل اليدين واجب بالاجماع لقول الله تعالى (وأيديكم إلى المرافق) ويجب إدخال المرفقين في الغسل في قول أكثر أهل العلم منهم عطاء والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي، وقال ابن داود وبعض المالكية لا يجب، وحكي ذلك عن
زفر لان الله تعالى أمر بالغسل إلى المرافق وجعلها غاية بحرف إلى وهو لانتهاء الغاية فلا يدخل المذكور بعده فيه كقول الله تعالى (ثم أتموا الصيام إلى الليل)، ولنا ما روى جابر قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه أخرجه الدار قطني وهذا بيان للغسل المأمور به في الآية.
وقولهم إن إلى لانتهاء الغاية قلنا قد تستعمل بمعنى مع كقوله تعالى (من انصاري إلى الله * يزدكم قوة إلى قوتكم * ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) أي مع أموالكم (1) وقال المبرد إذا كان الحد من جنس المحدود دخل فيه كقولهم بعت الثوب من هذا الطرف إلى هذا الطرف
__________
1) الصواب ان هنا تضمينا لفعل الضم اي مضمونة إلى قوتكم والى اموالكم
(فصل) ويجب غسل أظفاره وان طالت والاصبع واليد الزائدة والسلعة لان ذلك من يده كالثؤلول وان كانت نابتة في غير محل الفرض كالعضد لم يجب غسلها طويلة كانت أو قصيرة لانها في غير محل الفرض فهي كالقصيرة وهذا قول ابن حامد وابن عقيل، وقال القاضي يجب غسل ما حاذى محل الفرض منها والصحيح الاول، واختلف أصحاب الشافعي في ذلك نحو ما ذكرنا، وان كانتا متساويتين ولم تعلم الاصلية منهما غسلهما جميعا ليخرج عن العهدة بيقين كما لو تنجست إحدى يديه غير معينة وان تعلقت جلدة من الذراع فتدلت من العضد لم يجب غسلها لانها صارت في غير محل الفرض، وان كان بالعكس وجب غسلها لانها صارت في محل الفرض أشبهت الاصبع الزائدة.
وان تعلقت من أحد المحلين فالتحم رأسها في الآخر وبقي وسطها متجافيا وجب غسل ما حاذى محل الفرض من ظاهرها وباطنها وما تحتها (فصل) إذا كان تحت أظفاره وسخ يمنع وصول الماء إلى ما تحته فقال ابن عقيل: لا تصح طهارته حتى يزيله كما لو كان على يده شمع، قال شيخنا ويحتمل أن لا يجب ذلك لان هذا يستتر عادة فلو كان غسله واجبا لبينه صلى الله عليه وسلم لانه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة وقد عاب النبي صلى الله عليه وسلم عليهم كونهم يدخلون عليه قلحا ورفغ أحدهم بين أنملته وظفره يعنى أن وسخ أرفاغهم تحت أظفارهم يصل إليه رائحة نتنها ولم يعب بطلان طهارتهم ولو كان مبطلا للطهارة لكان ذلك أهم من نتن الريح (فصل) ومن كان يتوضأ من ماء يسير يغترف منه فغرف منه بيديه عند غسل يديه لم يؤثر ذلك في
الماء، وقال بعض أصحاب الشافعي يصير الماء مستعملا بغرفه منه لانه موضع غسل اليد وهو ناو للوضوء ولغسلها أشبه مالو غمسها في الماء ينوي غسلها فيه، ولنا أن في حديث عثمان: ثم غرف بيده اليمنى على ذراعه اليمنى
فغسلها إلى المرفقين ثلاثا ثم غرف بيمينه فغسل يده اليسرى رواه سعد.
وفي حديث عبد الله بن زيد: ثم أدخل يده في الاناء فغسل يديه إلى المرفقين مرتين متفق عليه.
ولو كان هذا يفسد الوضوء لكان النبي صلى الله عليه وسلم أحق بمعرفته ولبينه لكون الحاجة ماسة إليه إذ كان لا يعرف بدون البيان ولا يتوقاه إلا متحذلق، وما ذكروه لا يصح فان المغترف لم يقصد بغرفه الا الاغتراف دون الغسل فأشبه من يغوص في البئر لترقية الدلو وهو جنب لا ينوي الغسل ونية الاغتراف صرفت نية الطهارة (1) والله أعلم (مسألة) (ثم يمسح رأسه) ومسح الرأس فرض بالاجماع لقول الله تعالى (وامسحوا برءوسكم) وهوما ينبت عليه الشعر في حق الصبي، وينبغي أن يعتبر غالب الناس فلا يعتبر الاقرع ولا الاجلح كما قلنا في حد الوجه، والنزعتان من الرأس وكذلك الصدغان وقد ذكرنا ذلك في الوجه (مسألة) (يبدأ بيديه من مقدمه ثم يمرهما إلى قفاه ثم يردهما إلى مقدمه) وجملته أن المستحب في مسح الرأس أن يبل يديه ثم يضع طرف احدى سبابتيه على طرف الاخرى ويضعهما على مقدم رأسه ويضع الابهامين على الصدغين ثم يمر يديه إلى قفاه ثم يردهما إلى الموضع الذي بدأ منه كما روى عبد الله بن زيد في وصف وضوء النبي صلى الله عليه وسلم قال: فمسح رأسه بيديه فأقبل
__________
1) هذا مذهب الشافعي الذي عليه العمل
بهما وأدبر، وفي لفظ بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، متفق عليه، فان كان ذا شعر يخاف أن ينتفش برد يديه لم يردهما نص عليه الامام أحمد لانه قد روي عن الربيع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ عندها فمسح الرأس كله من فرق الشعر كل ناحية لمصب الشعر لا يحرك الشعر عن هيئته، رواه أبو داود.
وسئل أحمد كيف تمسح المرأة؟ فقال هكذا ووضع يده على وسط
رأسه ثم جرها إلى مقدمه ثم رفعها فوضعها حيث منه بدأ ثم جرها إلى مؤخره، وكيف مسح بعد استيعاب قدر الواجب اجزأه ولا يحتاج إلى ماء جديد في رد يديه على رأسه قال القاضي وقد روي عن احمد انه يأخذ للرد ماء جديد وليس بصحيح قاله القاضي (مسألة) (ويجب مسح جميعه مع الاذنين، وعنه يجزئ مسح اكثره) اختلفت الرواية عن احمد في قدر الواجب.
فروي عنه مسح جميعه في حق كل احد وهو ظاهر قول الخرقي ومذهب مالك لقوله تعالى (فامسحو برءوسكم) الباء للالصاق فكأنه قال وامسحوا رءوسكم وصار كقوله سبحانه في التيمم (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) قال ابن برهان من زعم أن الباء للتبعيض فقد جاء أهل اللغة بما لا يعرفونه ولان الذين وصفوا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا انه مسح رأسه كله، وقد ذكرنا حديث عبد الله بن زيد وحديث الربيع وهذا يصلح أن يكون بيانا للمسح المأمور به، وروي عن احمد انه يجزئ مسح بعضه نقلها عنه أبو الحارث.
ونقل عن سلمة بن الاكوع أنه كان يمسح مقدم رأسه وابن عمر مسح اليافوخ.
وممن قال بمسح البعض الحسن والثوري والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر.
قال شيخنا إلا أن الظاهر عن احمد رحمه الله في الرجل وجوب الاستيعاب وان المرأة يجزئها مسح مقدم رأسها، قال الخلال العمل في مذهب أبي عبد الله انها ان مسحت مقدم رأسها أجزأها لان عائشة رضي الله عنه كانت تمسح مقدم رأسها، واحتج من أجاز مسح البعض بما روى المغيرة بن شعبة قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة والخفين رواه مسلم.
وعن أنس بن مالك قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وعليه عمامة قطرية فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة رواه أبو داود، واحتجوا بان من مسح بعض الرأس يقال مسح برأسه كما يقال مسح برأس اليتيم وإذا قلنا بجواز مسح البعض فأي موضع مسح أجزأه إلا أنه لا يجزئ مسح الاذنين عن الرأس لانهما تبع ولا يجزئ مسحهما عن الاصل.
وقال ابن عقيل يحتمل أن لا يجزئ إلا مسح الناصية لانه صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته فوجب الاقتداء به واختلف العلماء في قدر البعض المجزئ فقال القاضي قدر الناصية لحديث المغيرة، وحكى أبو الخطاب
وبعض الشافعية أنه لا يجزئه الا مسح الاكثر لانه ينطلق عليه اسم الجميع.
وقال أبو حنيفة يجزئه مسح ربعه، وروي عنه أنه لا يجزئه أقل من ثلثه وهو قول زفر، وقال الشافعي يجزئ ما يقع عليه الاسم حكي عنه ثلاث شعرات وحكي عنه لو مسح شعرة أجزأه لوقوع اسم البعض عليه (فصل) ويجب مسح الاذنين معه لانهما منه بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم " الاذنان من الرأس " وروي عن أحمد أنه لا يجب مسحهما وهو ظاهر المذهب، قال الخلال كلهم حكوا عن أبي عبد الله فيمن
ترك مسح أذنيه عامدا أو ساهيا أنه يجزئه وظاهر هذا أنه لا يجب سواء قلنا بوجوب الاستيعاب أو لا لانهما من الرأس على وجه التبع ولا يفهم من اطلاق اسم الرأس دخولهما فيه ولا يشبهان أجزاء الرأس، ولذلك لا يجزي مسحهما عنه عند من اجتزأ بمسح البعض وهو اختيار شيخنا والاولى مسحهما لان النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما رواه الامام احمد، وروت الربيع أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ عندها فرأيته مسح على رأسه محاذي الشعر ما أقبل منه وما أدبر ومسح صدغيه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما رواهما الترمذي وأبو داود ويستحب أن يدخل سبابتيه في صماخي أذنيه ويمسح ظاهرهما بابهاميه لان في بعض الفاظ حديث الربيع فأدخل أصبعيه في حجري أذنيه رواه أبو داود، ولا يجب مسح ما استتر بالغضاريف لان الرأس الذي هو الاصل لا يجب مسح ما استتر منه بالشعر فالاذن أولى والله أعلم (فصل) ولا يجب مسح ما نزل عن الرأس من الشعر ولا يجزئ مسحه عن الرأس سواء رده فعقده فوق رأسه أو لم يرده لان الرأس ما ترأس وعلا، فان نزل الشعر عن منبته ولم ينزل عن محل الفرض فمسح عليه أجزأه لانه شعر على محل الفرض أشبه القائم على محله ولان هذا لا يمكن الاحتراز منه، وان خضب رأسه بما يستره لم يجزه المسح عليه نص عليه أحمد في الخضاب لانه لم يمسح على محل الفرض أشبه مالو مسح على خرقة فوق رأسه، ولو أدخل يده تحت الشعر فمسح البشرة دون الظاهر لم يجزه لان الحكم تعلق بالشعر فلم يجزه مسح غيره كما لو أوصل الماء إلى باطن اللحية ولم يغسل ظاهرها، فأما
ان مسح رأسه ثم حلقه أو غسل عضوا ثم قطع منه جزءا أو جلدة لم يؤثر في طهارته لانه ليس بدلا عما تحته، وان أحدث بعد ذلك غسل ما ظهر لانه صار ظاهرا فتعلق الحكم به ولو حصل في بعض أعضائه شق أو ثقب لزمه غسله لانه صار ظاهرا (فصل) ويمسح رأسه بماء جديد غير ما فضل عن ذراعية، وهو قول أبي حنيفة والشافعي والعمل عليه عند أكثر أهل العلم قاله الترمذي، وجوز الحسن وعروة والاوزاعي وابن المنذر مسحه بفضل ذراعيه لما روي عن عثمان أنه مسح مقدم رأسه بيده مرة واحدة ولم يستأنف له ماء جديدا حين حكى وضوء النبي صلى الله عليه وسلم رواه سعيد.
ويتخرج لنا مثل ذلك إذا قلنا إن المستعمل طهور لا سيما الغسلة الثانية والثالثة، ووجه الاول ما روى عبد الله بن زيد قال ومسح رأسه بماء غير فضل يديه رواه مسلم.
وفي حديثه المتفق عليه ثم أدخل يده في الاناء فمسح برأسه وكذلك حكى علي في رواية أبي داود ولان البلل الباقي في يده مستعمل فلا يجزئ به المسح كما لو فصله في إناء ثم استعمله (فصل) فان غسل رأسه بدل مسحه فعلى وجهين (أحدهما) لا يجزئه لان الله تعالى أمر بالمسح والنبى صلى الله عليه وسلم مسح ولانه أحد نوعي الطهارة فلم يجزئ عن الآخر كالمسح عن الغسل (والثاني) يجزئ لانه لو كان جنبا فانغمس في ماء ينوي الطهارتين أجزأه مع أنه لم يمسح فكذلك في الحدث الاصغر وحده
ولان في صفة غسل النبي صلى الله عليه وسلم أنه غسل يديه ووجهه ثم أفرغ على رأسه ولم يذكر مسحا ولان الغسل أبلغ من المسح فإذا أتى به ينبغي أن يجزئه وهذا فيما إذا لم يمر يده عليه فأما ان أمر يده على رأسه مع الغسل أو بعده أجزأه لانه قد أتى بالمسح وذلك لما روي عن معاوية أنه توضأ للناس كما رأى النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فلما بلغ رأسه غرف غرفة من ماء فتلقاها بشماله حتى وضعها على وسط رأسه حتى قطر الماء أو كاد يقطر ثم مسح من مقدمه إلى مؤخر ومن مؤخره إلى مقدمه رواه أبو داود ولو حصل على رأسه ماء المطر أوصب عليه انسان ثم مسح عليه يقصد بذلك الطهارة أو كان قد صمد للمطر أجزأه وان حصل الماء على رأسه من غير قصد أجزأه أيضا لان حصول الماء على رأسه بغير قصد لم يؤثر في الماء فمتى وضع يده على ذلك البلل ومسح به فقد مسح بماء غير مستعمل فصحت طهارته كما لو حصل بقصده.
وقد نقل أبو داود عن احمد إذا اصاب
برأسه ماء السماء فمسحه بيده لم يجزه وذلك لانه لم يوجد منه نية لذلك.
ذكره القاضي في المجرد وهذا يدل على أنه يشترط أن يقصد حصول الماء على رأسه، قال ابن عقيل في هذه المسألة: تحقيق المذهب أنه متى صمد للمطر ومسح أجزأه ومتى أصابه المطر من غير قصد ولا نية لم يجزه وكذلك ان كان يتوضأ فصب انسان على رأسه ماء وهو لا يصد فمسح رأسه فانه لا يجزئه فاما ان حصل الماء على رأسه بغير قصد ولم يمسح بيده لم يجزه سواء قلنا ان الغسل يقوم مقام المسح أولا وان قصد وجرى الماء على رأسه أجزأه إذا قلنا يجزئ الغسل وإلا فلا (فصل) فان مسح رأسه بخرقة مبلولة أو خشبة أجزأه في أحد الوجهين لانه مأمور بالمسح وقد مسح أشبه مالو مسح بيده ولان مسحه بيده غير مشترط بدليل مالو مسح بيد غيره (والثاني) لا يجزئه لان النبي صلى الله عليه وسلم مسح بيده وقال " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " وان وضع على رأسه خرقة مبلولة فابتل رأسه بها أو وضع خرقة ثم بلها حتى ابتل شعره لم يجزه لان ذلك ليس بمسح ولا غسل، ويحتمل أن يجزئه لانه بل شعره قاصدا للوضوء فأجزأه كما لو غسله، وان مسح باصبع أو أصبعين أجزأه إذا بهما مسح ما يجب مسحه كله وهو قول الثوري والشافعي، ونقل بكر بن محمد عن أحمد لا يجزئه المسح بأصبع، قال القاضي هذا محمول على الرواية التي توجب الاستيعاب لانه لا يحصل بأصبع واحدة.
وإن حلق بعض رأسه وقلنا بوجوب الاستيعاب مسح المحلوق والشعر، وإن قلنا باجزاء مسح البعض أجزأه مسح أحدهما
(فصل) وهل يستحب مسح العنق؟ فيه روايتان (احداهما) يستحب لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح رأسه حتى بلغ القذال وما يليه من مقدم العنق.
رواه أحمد في المسند من رواية ليث بن أبي سليم وهو متكلم فيه، ولما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " امسحوا أعناقكم مخافة الغل " ذكره ابن عقيل في الفصول (والثانية) لا يستحب لان الله تعالى لم يأمر به، وان الذين حكوا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان وعلي وعبد الله بن زيد وابن عباس لم يذكروه ولم يثبت فيه حديث (مسألة) (ولا يستحب تكراره وعنه يستحب) الصحيح من المذهب أنه لا يستحب التكرار في مسح الرأس وهو قول أبي حنيفة ومالك، ويروى عن ابن عمر وابنه سالم والحسن ومجاهد قال
الترمذي والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم، وعن أحمد أنه يستحب.
يروى ذلك عن أنس وعطاء وسعيد بن جبير وهو قول الشافعي لما روى أبو داود عن شقيق بن سلمة قال: رأيت عثمان غسل ذراعيه ثلاثا ومسح برأسه ثلاثا ثم قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل مثل هذا وروي مثل ذلك عن غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى علي وابن عمر وأبو هريرة وأبي بن كعب وغيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا وفي حديث أبي قال " هذا وضوئي ووضوء المرسلين قبلي " ورواه ابن ماجه وقياسا على سائر الاعضاء، ووجه الرواية الاولى أن عبد الله بن زيد وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مسح برأسه مرة واحدة، متفق عليه وكذلك
روى علي وقال هذا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم من احب ان ينظر إلى طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم فلينظر إلى هذا، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وكذلك وصف عبد الله بن أبي أوفى وابن عباس وسلمة بن الاكوع والربيع كلهم قالوا ومسح برأسه مرة واحدة وحكايتهم لوضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم إخبار عن الدوام ولا يداوم إلا على الافضل، وحكاية ابن عباس وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليل حال خلوته ولا يفعل في تلك الحال إلا الافضل، ولانه مسح في طهارة فلم يسن تكراره كالمسح على الجبيرة والخفين، وأحاديثهم لا يصح منها شئ صريح، قال أبو داود أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة فانهم ذكروا الوضوء ثلاثا ثلاثا وقالوا فيها ومسح رأسه ولم يذكروا عددا والحديث الذي ذكر فيه مسح رأسه ثلاثا رواه يحيى بن آدم وخالفه وكيع فقال توضأ ثلاثا فقط والصحيح المتفق عليه عن عثمان انه لم يذكر في مسح الرأس عددا.
ومن روى عنه ذلك سوى عثمان لم يصح لانهم الذين رووا أحاديثنا وهي صحيحة فيلزم من ذلك ضعف ما خالفها والاحاديث التي ذكروا فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا أرادوا بها سوى المسح لانهم حين فصلوا قالوا ومسح برأسه مرة واحدة قالوا والتفصيل يحكم به على الاجمال ويكون تفسيرا ولا يعارضه كالخاص مع العام
وقياسهم منقوض بالتيمم وإن قيل يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم مسح مرة ليبين الجواز ومسح
ثلاثا ليبين الافضل كما فعل في الغسل فنقل الامران من غير تعارض قلنا قول الراوي هذا طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على أنه كان يفعله على الدوام لان الصحابة رضي الله عنهم إنما وصفوا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعرفوا من سألهم وحضرهم صفة وضوئه في دوامه فلو شاهدوا وضوءه على صفة أخرى لم يطلقوا هذا الاطلاق الذي يفهم منه أنهم لم يشاهدوا سواه لانه يكون تدليسا وإيهاما لغير الصواب فلا يظن ذلك بهم ويحمل حال الراوي لغير الصحيح على الغلط لاغير ولان الحفاظ إذا رووا حديثا واحدا عن شخص واحد على صفة وخالفهم فيها واحد حكموا عليه بالغلط وإن كان ثقة حافظا فكيف إذا لم يكن معروفا بذلك والله أعلم (مسألة) ثم يغسل رجليه إلى الكعبين ثلاثا ويدخلهما في الغسل) وقد ذكرنا اختلاف العلماء في غسل الرجلين ويستحب غسلهما ثلاثا لان في حديث عثمان: ثم غسل كلتا رجليه ثلاثا، متفق عليه وعن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا رواه الترمذي وقال هذا أحسن شئ في الباب وأصح.
ويدخل الكعبين في الغسل قياسا على المرفقين والكعبان هما العظمان الناتئان اللذان في أسفل الساق من جانبي القدم وحكي عن محمد بن الحسن أنه قال: هما في مشط القدم وهو معقد الشرك من الرجل بدليل أنه قال إلى الكعبين فدل على أن في الرجل كعبين لاغير ولو أراد ما ذكرتم كانت كعاب الرجلين أربعة.
ولنا أن الكعاب المشهورة هي التي ذكرنا قال أبو عبيد: الكعب هذا الذي في أصل القدم منتهى الساق إليه بمنزلة كعاب القنا وروي عن النعمان بن بشير قال كان أحدنا يلزق كعبه بكعب صاحبه في الصلاة رواه الخلال.
وقوله إلى الكعبين حجة لنا فانه أراد كل رجل تغسل إلى الكعبين ولو أراد كعاب جميع الا رجل لذكر بلفظ الجمع كما قال إلى المرافق ويخلل أصابعهما لما ذكرناه (مسألة) (فان كان أقطع غسل ما بقي من محل الفرض) وسواء في ذلك اليدين والرجلين لقوله صلى الله عليه وسلم " إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم " (مسألة) (فان لم يبق شئ سقط وجوب الغسل) لعدم محله ويستحب أن يمس محل القطع بالماء
لئلا يخلو العضو من طهارة، فان كان أقطع اليدين فوجد من يوضئه متبرعا لزمه ذلك لانه قادر عليه وان لم يجد من يوضئه إلا بأجر يقدر عليه لزمه كما يلزمه شراء الماء.
وقال ابن عقيل يحتمل أن لا يلزمه كما لو عجز عن القيام في الصلاة لا يلزمه استئجار من يقيمه ويعتمد عليه، وان عجز عن الاجر أو لم يجد من يستأجره صلى على حسب حاله كعادم الماء والتراب.
وان وجد من ييممه ولم يجد من يوضئه لزمه التيمم كعادم الماء إذا وجد التراب وهذا مذهب الشافعي ولا نعلم فيه خلافا
(مسألة) ثم يرفع نظره إلى السماء ويقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله لما روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو - فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء " رواه مسلم ورواه الترمذي وزاد فيه " اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين " ورواه الامام احمد وابو داود وفي بعض رواياته " فاحسن الوضوء ثم رفع نظره إلى السماء " وعن أبي سعيد الخدري قال: من توضأ ففرغ من وضوئه وقال " سبحانك اللهم أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب اليك طبع عليها بطابع ثم رفعت تحت العرش فلم تكسر إلى يوم القيامة " رواه النسائي (فصل) (والوضوء مرة مرة يجزئ والثلاث أفضل) لما روى ابن عباس قال توضأ النبي صلى الله عليه وسلم مرة مرة رواه البخاري وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بماء فتوضأ مرة مرة ثم قال " هذا وظيفة الوضوء وضوء من لا يقبل الله له الصلاة إلا به " ثم تحدث ساعة ثم دعا بوضوء فتوضأ مرتين مرتين فقال " هذا وضوء من توضأه ضاعف الله له الاجر مرتين " ثم تحدث ساعة ثم دعا بماء فتوضأ ثلاثا ثلاثا فقال " هذا وضوئي ووضوء النبيين من قبلي " رواه سعيد وقد ذكر حديث أبي بن كعب بنحو هذا، وهذا قول أكثر أهل العلم إلا أن مالكا لم يوقت مرة ولا ثلاثا
قال انما قال الله تعالى (فاغسلوا وجوهكم) وقال الاوزاعي وسعيد بن عبد العزيز الوضوء ثلاثا ثلاثا
إلا غسل الرجلين فانه ينقيهما.
والاول أولى لما ذكرنا من الاحاديث وقد ذكرنا اختلافهم في تكرار مسح الرأس والله أعلم وإن غسل بعض أعضائه أكثر من بعض فحسن لان في حديث عبد الله بن زيد ان النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل وجهه ثلاثا ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين ومسح برأسه مرة متفق عليه (فصل) وتكره الزيادة على الثلاث، قال أحمد رحمه الله لا يزيد على الثلاث إلا رجل مبتلى وذلك لما روي ان أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء فأراه ثلاثا ثم قال " هذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء وظلم " رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه ويكره الاسراف في الماء لان النبي صلى الله عليه وسلم مر بسعد وهو يتوضأ فقال " لا تسرف " فقال يا رسول الله في الماء اسراف؟ قال " نعم وإن كنت على نهر جار " رواه ابن ماجه (مسألة) (وتباح معونته) لما روى المغيرة بن شعبة انه افرغ على النبي صلى الله عليه وسلم في وضوئه رواه مسلم، وعن صفوان بن عسال قال صببت على النبي صلى الله عليه وسلم الماء في الحضر
والسفر رواه ابن ماجه، وروى أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم ينطلق لحاجته فأحمل أنا وغلام نحوي اداوة من ماء وعنزة فيستنجي بالماء متفق عليه، ولا يستحب لما روى ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكل طهوره إلى أحد ولا صدقته التي يتصدق بها، يكون هو الذي يتولاها بنفسه.
رواه ابن ماجه وروي عن أحمد انه قال: ما أحب أن يعينني على وضوئي أحد لان عمر قال ذلك (مسألة) قال ويباح تنشيف أعضائه ولا يستحب، قال الخلال المنقول عن احمد انه لا بأس بالتنشيف بعد الوضوء وممن روي عنه أخذ المنديل بعد الوضوء عثمان والحسن بن علي وأنس وكثير من أهل العلم.
وممن رخص فيه الحسن وابن سيرين ومالك والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي وهو ظاهر قول أحمد لما روى سلمان ان النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثم قلب جبة كانت عليه فمسح بها وجهه.
رواه ابن ماجه والطبراني في المعجم الصغير، وذكر ابن حامد في كراهته روايتين (احداهما) لا يكره لما ذكرنا (والثانية) يكره روي ذلك عن جابر بن عبد الله وابن أبي ليلى وسعيد بن المسيب
والنخعي ومجاهد وذلك لما روت ميمونة ان النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل قالت فأتيته بالمنديل فلم يردها وجعل ينفض الماء بيديه متفق عليه.
وروي عن ابن عباس انه كرهه في الوضوء ولم يكرهه في الجنابة، والاول أصح لان الاصل الاباحة فترك النبي صلى الله عليه وسلم لا يدل على الكراهة فانه قد يترك المباح، وهذه قضية في عين يحتمل انه ترك تلك المنديل لامر يختص بها ولانه
إزالة للماء عن بدنه أشبه نفضه بيديه ولا يكره نفض الماء عن بدنه بيديه لحديث ميمونة، ويكره نفض يديه ذكره أبو الخطاب وابن عقيل (فصل) ويستحب تجديد الوضوء نص عليه أحمد في رواية موسى بن عيسى وذلك لما روى أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة قلت وكيف كنتم تصنعون؟ قال يجزئ أحدنا الوضوء ما لم يحدث رواه البخاري، وقد نقل علي بن سعيد عن أحمد انه لا فضل فيه والاول أصح، ولا بأس أن يصلي بالوضوء الواحد ما لم يحدث لا نعلم فيه خلافا لحديث أنس ولما روى بريدة قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح خمس صلوات بوضوء واحد ومسح على خفيه فقال له عمر إني رأيتك صنعت شيئا لم تكن تصنعه فقال " عمدا صنعته " رواه مسلم (فصل) ولا بأس بالوضوء في المسجد إذا لم يؤذ أحدا بوضوئه ولم يؤذ المسجد، قال ابن المنذر أباح ذلك كل من نحفظ عنه من علماء الامصار وذلك لما روى أبو العالية عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال حفظت لك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ في المسجد رواه الامام أحمد، وروي عن أحمد انه كرهه صيانة للمسجد عن البصاق وما يخرج من فضلات الوضوء والله أعلم (فصل) والمفروض من ذلك بغير خلاف في المذاهب خمسة: النية وغسل الوجه، وغسل اليدين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين، وخمسة فيها روايتان: المضمضة والاستنشاق، والتسمية والترتيب، والموالاة.
وقد ذكرنا عدد المسنون فيما مضى والله أعلم
(باب المسح على الخفين)
المسح على الخفين جائز عند عامة أهل العلم، قال ابن المبارك ليس في المسح على الخفين اختلاف أنه جائز، وعن الحسن قال حدثني سبعون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين، والاصل فيه ما روى المغيرة بن شعبة قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فأهويت لا نزع خفيه فقال " دعهما فاني أدخلتهما طاهرتين " فمسح عليهما متفق عليه، وعن جرير بن عبد الله قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على خفيه متفق عليه، قال ابراهيم كان يعجبهم هذا الحديث لان اسلام جرير كان بعد نزول المائدة، قال الامام أحمد ليس في قلبي من المسح شئ فيه أربعون حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (فصل) روي عن أحمد أنه قال المسح أفضل من الغسل لان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه انما طلبوا الفضل وهذا مذهب الشعبي والحكم واسحاق لانه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ان الله يحب أن يؤخذ برخصه " ولان فيه مخالفة أهل البدع، وذكر ابن عقيل فيه روايتين (احداهما) المسح أفضل لما ذكرنا (الثانية) الغسل أفضل لانه المفروض في كتاب الله تعالى والمسح رخصة، وروى حنبل عن أحمد أنه قال كله جائز المسح والغسل ما في قلبي من المسح شئ ولا من الغسل
وهذا قول ابن المنذر، وروي عن عمر أنه أمرهم أن يمسحوا على أخفافهم وخلع هو خفيه وتوضأ وقال حبب الي الوضوء وعن ابن عمر أنه قال إني لمولع بغسل قدمي فلا تقتدوا بي (مسألة) (يجوز المسح على الخفين لما ذكرنا ويجوز على الجرموقين) الجرموق مثال الخف إلا أنه يلبس فوق الخف في البلاد الباردة فيجوز المسح عليه قياسا على الخف، وممن قال بجواز المسح عليه إذا كان فوق الخف الحسن بن صالح وأصحاب الرأي، وقال الشافعي في الجديد لا يمسح عليه وسنذكر ذلك إن شاء الله فيما إذا لبس خفا فوق خف آخر (والجوربين) قال ابن المنذر يروى إباحة المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم علي وعمار وابن مسعود وأنس وابن عمر والبراء وبلال وابن أبي أوفى وسهل بن سعد وهو قول عطاء والحسن وسعيد بن المسيب والثوري وابن المبارك واسحاق ويعقوب ومحمد، وقال أبو حنيفة ومالك
والاوزاعي والشافعي وغيرهم لا يجوز المسح عليهما إلا أن ينعلا لانه لا يمكن متابعة المشي فيهما فهما كالرقيقين ولنا ما روى المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الجوربين والنعلين.
رواه الامام أحمد وأبو داود والترمذي وقال حسن صحيح وهذا يدل على أنهما لم يكونا منعولين لانه لو كان كذلك لم يذكر النعلين فانه لا يقال مسحت على الخف ونعله ولان الصحابة رضي الله عنهم مسحوا على الجوارب ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم والجورب في معنى الخف لانه ملبوس ساتر لمحل الفرض يمكن متابعة المشي فيه أشبه الخف، وقولهم لا يمكن متابعة المشي فيهما قلنا انما يجوز المسح عليهما إذا ثبت بنفسه وأمكن متابعة المشي فيه وإلا فلا فأما الرقيق فليس بساتر
(فصل) وسئل أحمد عن جورب انخرق فكره المسح عليه ولعله انما كرهه لان الغالب فيه الخفة وأنه لا يثبت بنفسه فان كان مثل جورب الصوف في الصفاقة فلا فرق، فان كان لا يثبت الا بالنعل أبيح المسح عليه ما دام النعل عليه لحديث المغيرة، فان خلع النعل انتقضت الطهارة لان ثبوت الجورب أحد شرطي جواز المسح وانما حصل بالنعل فإذا خلعها زال الشرط المبيح للمسح فبطلت الطهارة كما لو ظهر القدم.
قال القاضي يمسح على الجورب والنعل كما جاء في الحديث والظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم انما مسح على سيور النعل التي على ظاهر القدم فأما أسفله وعقبه فلا يسن مسحه من الخف فكذلك من النعل (مسألة) قال (والعمامة والجبائر) وممن قال بجواز المسح على العمامة أبو بكر الصديق وبه قال عمر بن الخطاب وأنس وأبو امامة وروي عن سعد بن مالك وأبي الدرداء رضي الله عنهم وهو قول عمر بن عبد العزيز والحسن وقتادة وابن المنذر وغيرهم، وقال عروة والنخعي والشعبي والقاسم ومالك والشافعي وأصحاب الرأي لا يمسح عليها لقول الله تعالى (وامسحوا برءوسكم) ولانه لا تلحقه المشقة بنزعها (1) أشبهت الكمين ولنا ما روى المغيرة بن شعبة قال توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسح على الخفين والعمامة قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
وروى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين والخمار وعن عمرو بن أمية قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مسح على عمامته وخفيه رواه البخاري ولانه قول
من سمينا من الصحابة ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم ولانه عضو يسقط فرضه في التيمم فجاز المسح على
__________
1) هذا غير مسلم فالمشقة واقعة ولاسيما في العمائم المحنكة.
وما قبله يرد عليه نص الآية في الرجلين
حائله كالقدمين والآية لا تنفي ما ذكرناه فان النبي صلى الله عليه وسلم مبين لكلام الله وقد مسح على العمامة وأمر بالمسح عليها وهذا يدل على أن المراد بالآية المسح على الرأس وحائله، ومما يبين ذلك أن المسح في الغالب انما يكون على الشعر ولا يصيب الرأس وهو حائل كذلك العمامة فانه يقال لمن مسح عمامة انسان أو قبلها قبل رأسه والله أعلم (فصل) والمسح على الجبائر لقول النبي صلى الله عليه وسلم في صاحب الشجة " انما كان يكفيه أن يتيمم وبعصب أو يعصر على جرحه خرقة ويمسح عليها ويغسل سائر جسده " رواه أبو داود ولما روى علي رضي الله عنه قال انكسرت إحدى زندي فأمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أمسح على الجبائر رواه ابن ماجه وهذا قول الحسن والنخعي ومالك واسحاق وأصحاب الرأي، وقال الشافعي في أحد قوليه يعيد كل صلاة صلاها لان الله تعالى امر بالغسل ولم يأت به، ووجه الاول ما ذكرنا ولانه مسح على حائل ابيح له المسح عليه فلم تجب معه الاعادة كالخف.
(مسألة) (وفي المسح على القلانس وخمر النساء المدارة تحت حلوقهن روايتان) اراد القلانس المبطنات كدنيات القضاة والمنومنات فأما الكلتة فلا يجوز المسح عليها لا نعلم فيه خلافا لانها لا تستر جميع الرأس عادة ولا تدوم عليه فأما القلانس التي ذكرناها ففيها روايتان (إحداهما) لا يجوز المسح عليها رواه عنه اسحاق بن ابراهيم وهو قول الاوزاعي وسعيد بن عبد العزيز ومالك والشافعي والنعمان واسحاق.
قال ابن المنذر لا نعلم أحدا قال به الا أنه يروى عن أنس أنه مسح على قلنسيته لانها لا يشق
نزعها أشبهت الكلتة ولان العمامة التي ليست محنكة ولا ذؤابة لها لا يجوز المسح عليها وهو اختيار الخلال قال لانه قد روي عن رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم باسانيد صحاح فروى الاثرم باسناده عن عمر أنه قال ان شاء حسر عن رأسه وان شاء مسح على قلنسيته وعمامته وروى باسناده عن أبي موسى
أنه خرج من الخلاء فمسح على القلنسوة ولانه ملبوس معتاد يستر الرأس أشبه العمامة المحنكة وفارق العمامة التي قاسوا عليها لانها منهى عنها والله أعلم، وفي مسح المرأة على خمارها روايتان (إحداهما) يجوز يروى ذلك عن أم سلمة حكاه ابن المنذر ولانه ملبوس للرأس يشق نزعه أشبه العمامة (والثانية) لا يجوز وهو قول نافع والنخعي وحماد والاوزاعي ومالك والشافعي لانه ملبوس يختص بالمرأة أشبه الوقاية ولا يجوز المسح على الوقاية رواية واحدة ولا نعلم فيه خلافا لانها لا يشق نزعها فهي كطاقية الرجل (مسألة) قال (ومن شرطه أن يلبس الجميع بعد كمال الطهارة) لا نعلم في اشتراط تقدم الطهارة لكل ما يجوز المسح عليه خلافا الا للجبيرة ووجهه ما روى المغيرة بن شعبة قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأهويت لا نزع خفيه فقال " دعهما فاني أدخلتهما طاهرتين " فمسح عليهما متفق عليه.
وعنه قال قلت يا رسول الله أيمسح أحدنا على خفيه؟ فقال " نعم إذا أدخلهما وهما طاهرتان " رواه الدار قطني فأما ان غسل أحد رجليه ثم لبس الخف ثم غسل الاخرى وأدخلها الخف لم يجز المسح أيضا وهو
قول الشافعي واسحاق ونحوه عن مالك، وعنه أنه يجوز رواها أبو طالب عنه وهو قول أبي ثور وأصحاب الرأي لانه أحدث بعد كمال الطهارة واللبس فجاز كما لو نزع الخف الاول ثم لبسه وكذلك الحكم فيمن مسح رأسه ولبس العمامة ثم غسل رجليه قياسا على الخف، وقد قيل فيمن غسل رجليه ولبس خفيه ثم غسل بقية أعضائه إذا قلنا إن الترتيب ليس بشرط جاز له المسح ووجه الاولى، ما ذكرناه من الحديثين وهو يدل على وجود الطهارة فيهما جميعا وقت ادخالهما ولم يوجد ذلك وقت لبس الاولى ولان ما اعتبر له الطهارة اعتبر له جميعها كالصلاة.
وفارق ما إذا نزع الخف الاول ثم لبسه لانه لبسه بعد كمال الطهارة (فصل) كره أحمد لبس الخف وهو يدافع أحد الاخبثين لان الصلاة مكروهة بهذه الطهارة وكذلك اللبس الذي يراد للصلاة والاولى أن لا يكره، وروي عن ابراهيم النخعي انه كان إذا اراد أن يبول لبس خفيه ولانها طهارة كاملة أشبه ما لو لبسهما عند غلبة النعاس.
والصلاة انما كرهت للحاقن لان اشتغال قلبه بمدافعة الاخبثين يذهب بخشوع الصلاة ويمنع الاتيان بها على الكمال ويحمله على العجلة ولا يضر ذلك في اللبس.
(فصل) فان تطهر ثم لبس الخف فاحدث قبل بلوغ الرجل قدم الخف لم يجز له المسح لان الرجل
حصلت في مقرها وهو محدث فصار كما لو بدأ اللبس وهو محدث (فصل) فان تيمم ثم لبس الخف لم يكن له المسح لانه لبسه على طهارة غير كاملة ولانها طهارة
ضرورة بطلت من أصلها فصار كاللابس له على غير طهارة ولان التيمم لا يرفع الحدث فقد لبسه وهو محدث، فأما ان تطهرت المستحاضة ومن به سلس البول وشبههما ولبسوا خفافا فلهم المسح عليها، نص عليه أحمد لان طهارتهم كاملة في حقهم، قال ابن عقيل لانها مضطرة إلى الترخص وأحق من يترخص المضطر فان انقطع الدم وزالت الضرورة بطلت الطهارة من أصلها ولم يكن لها المسح كالمتيمم إذا وجد الماء، وان لبس الخف بعد طهارة مسح فيها على العمامة أو العمامة بعد طهارة مسح فيها على الخف فقال بعض أصحابنا ظاهر كلام أحمد انه لا يجوز المسح لانه لبس على طهارة ممسوح فيها على بدل فلم يستبح المسح باللبس فيها كما لو لبس خفا على طهارة مسح فيها على خف، وقال القاضي يحتمل جواز المسح لانها طهارة كاملة وكل واحد منهما ليس ببدل عن الآخر بخلاف الخف الملبوس على خف ممسوح عليه (فصل) فان لبس الجبيرة على طهارة مسح فيها على خف أو عمامة وقلنا ليس من شرطها الطهارة جاز المسح عليها وان اشترطنا الطهارة احتمل أن يكون كالعمامة الملبوسة على طهارة مسح فيها على الخف واحتمل جواز المسح بكل حال لان مسحها عزيمة، وان لبس الخف على طهارة مسح فيها على الجبيرة جاز المسح عليه لانها عزيمة ولانها ان كانت نافعة فهو لنقص لم يزل فلم يمنع طهاره المستحاضة، وان لبس الجبيرة عل طهارة مسح فيها على الجبيرة جاز المسح لما ذكرنا (مسألة) قال (الا الجبيرة على احدى الروايتين) اختلفت الرواية عن أبي عبد الله رحمه الله في الجبيرة فروي أنه لا يشترط تقدم الطهارة لها
اختاره الخلال وذلك لما ذكرنا من حديث جابر في الذي أصابته الشجة فانه قال إنما كان يجزئه أن يعصب على جرحه خرقة ويمسح عليها ولم يذكر الطهارة، وكذلك حديث علي لم يأمره بالطهارة ولان اشتراط الطهارة لها تغليظ على الناس ويشق عليهم ولان المسح عليها انما جاز لمشقة نزعها وهو موجود إذا لبسها على غير
طهارة.
ويحتمل أن يشترط له التيمم عند العجز عن الطهارة فان في حديث جابر انما كان بكفيه أن يتيمم ويعصب أو يعصر على جرحه ثم يمسح عليها لانها عبادة اشترطت لها الطهارة فقام التيمم مقامها عند العجز كالصلاة، وروي عنه أنه يشترط تقدم الطهارة عليها وهو ظاهر قول الخرقي لانه حائل يمسح عليه فاشترط تقدم الطهارة على لبسه كسائر الممسوحات فعلى هذا إذا لبسها على غير طهارة ثم خاف من نزعها تيمم لها لانه موضع يخاف الضرر باستعمال الماء فيه أشبه الجرح (فصل) ولا يحتاج مع مسحها إلى تيمم، قال شيخنا ويحتمل أن يتيمم مع مسحها فيما إذا تجاوز بها موضع الحاجة لان ما على موضع الحاجة يقتضي المسح والزائد يقتضي التيمم وكذلك فيما إذا شدها على غير طهارة لانه مختلف في جواز المسح عليها فإذا جمع بينهما خرج من الخلاف، وللشافعي في الجمع بينهما قولان في الجملة لحديث صاحب الشجة: ولنا أنه محل واحد فلا يجمع فيه بين بدلين كالخف (فصل) ولا فرق بين كون الشد على كسر أو جرح لحديث صاحب الشجة فانها جرح الرأس وقياسا على الكسر وكذلك إن وضع على جرحه دواء وخاف من نزعه مسح عليه نص عليه في رواية الاثرم وذلك لما روى الاثرم باسناده عن ابن عمر أنه خرجت بابهامه قرحه فألقمها مرارة وكان يتوضأ
ويمسح عليها، ولو انقلع ظفر انسان أو كان بأصبعه جرح يخاف إن أصابه الماء أن يزرق الجرح جاز المسح عليه في المنصوص.
وقال القاضي في اللصوق على الجروح إن لم يكن في نزعه ضرر نزعه وغسل الصحيح وتيمم للجريح ويمسح على موضع الجرح، وإن كان في نزعه ضرر مسح عليه كالجبيرة فان كان في رجله شق فجعل فيه قيرا فقال أحمد ينزعه ولا يمسح عليه هذا أهون هذا لا يخاف منه، فقيل له متى يسع صاحب الجرح أن يمسح عليه؟ قال إذا خشي أن يزداد وجعا أو شدة.
وتعليل أحمد في القير بسهولته يقتضي أنه متى كان يخاف منه جاز المسح عليه كالاصبع المجروحة إذا ألقمها مرارة أو عصبها، قال مالك في الظفر يسقط يكسوه مصطكا ويمسح عليه وهو قول أصحاب الرأي (فصل) فان لم يكن على الجرح عصاب غسل الصحيح وتيمم للجريح.
وقد روى حنبل عن أحمد في المجروح
والمجدور يخاف عليه يمسح موضع الجرح ويغسل ما حوله يعني يمسح إذا لم يكن عصاب والله أعلم (مسألة) قال (ويمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن) لا نعلم فيه خلافا في المذهب وهو قول عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم وبه قال شريح وعطاء والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي وهو ظاهر قول الشافعي.
وقال الليث يمسح ما بدا له وهو قول أكثر أصحاب مالك وكذلك قول مالك في المسافر، وعنه في المقيم روايتان وذلك لما روى أبي بن عمارة قال قلت يا رسول الله نمسح على الخفين؟ قال " نعم " قلت يوما؟ قال " ويومين " قلت وثلاثة؟ قال " وما شئت " رواه أبو داود
ولانه مسح في طهارة فلم تتوقت كمسح الرأس والجبيرة.
ولنا ما روى علي قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم رواه مسلم.
وعن عوف بن مالك الاشجعي ان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالمسح على الخفين في غزوة تبوك ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم رواه الامام احمد والدار قطني.
قال الامام احمد: هذا أجود حديث في المسح لانه في غزوة تبوك آخر غزوة غزاها النبي صلى الله عليه وسلم وحديثهم ليس بالقوي.
وقد اختلف في اسناده قاله أبو داود، ويحتمل انه قال وما شئت من اليوم واليومين والثلاثة، ويحتمل انه يمسح ما شاء إذا نزعها عند انتهاء مدته ثم لبسها.
وقياسهم منقوض بالتيمم ومسح الجبيرة عندنا موقت بامكان نزعها والله أعلم (فصل) وسفر المعصية كالحضر في مدة المسح لان ما زاد على اليوم والليلة رخصة والرخص لا تستباح بالمعصية والله أعلم، وقال القاضي يحتمل أن لا يباح له المسح أصلا لكونه رخصة (1) والله أعلم (مسألة) قال (إلا الجبيرة فانه يمسح عليها إلى حلها) لان مسحها للضرورة فيقدر بقدرها والضرورة تدعو إلى مسحها إلى حلها بخلاف غيرها (فصل) ويفارق مسح الجبيرة الخف من خمسة أوجه (الاول والثاني) انه لا يشترط تقدم الطهارة لها ولا يتقدر مسحها بمدة وقد ذكرناهما (الثالث) انه يجب استيعابها بالمسح لانه لا ضرر في تعميمها
__________
1) هذا التعليل وما قبله الرأى الذي لا يدل عليه كتاب ولا سنة ولا اجماع ولا اثر عن الصحابة ولا قياس صحيح ويمكن نقضه برأي اقوى منه بما يدل عليه من حكمة الشارع
وهو ان العصاة اولى بالرخص من الاتقياء لئلا يتركوا الفرائض، والعمدة في رد الجمهور له ان خطاب الشرع عان وهذا الرأى لا يصح مخصصاله
بخلاف الخف (الرابع) انه لا يجوز المسح عليها إلا عند خوف الضرر بنزعها (الخامس) انه يمسح عليها في الطهارة الكبرى لان الضرر يلحق بنزعها فيها بخلاف الخف (مسألة) (وابتداء المدة من الحدث بعد اللبس، وعنه من المسح بعده) يعني بعد الحدث، ظاهر المذهب ان ابتداء المدة من الحدث بعد اللبس وهذا قول الثوري والشافعي وأصحاب الرأي.
وفيه رواية أخرى ان ابتداءها من المسح بعد الحدث يروى ذلك عن عمر رضي الله عنه وهو اختيار ابن المنذر لقول النبي صلى الله عليه وسلم يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وقال الشعبي وإسحاق وأبو ثور يمسح المقيم خمس صلوات لا يزيد عليها، ووجه الرواية الاولى ما نقله القاسم بن زكريا المطرز في حديث صفوان عن الحدث إلى الحدث ولانها عبادة مؤقتة فاعتبر أول وقتها من حين جواز فعلها كالصلاة.
ويجوز أن يكون أراد بالخبر استباحة المسح دون فعله.
وأما تقديره بخمس صلوات فلا يصح لكون النبي صلى الله عليه وسلم قدره بالوقت دون الفعل، فعلى هذا يمكن المقيم أن يصلي بالمسح ست صلوات يؤخر الصلاة ثم يمسح في اليوم الثاني في أول وقتها قبل انقضاء المدة وإن كان له عذر يبيح الجمع من مرض أو غيره أمكنه أن يصلي سبع صلوات، ويمكن المسافر أن يصلي ستة عشر صلاة إن لم يجمع وسبع عشرة صلاة إن جمع على ما فصلناه والله أعلم (مسألة) قال (ومن مسح مسافرا ثم أقام أتم مسح مقيم) وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي
ولا نعلم فيه خلافا لانه صار مقيما فلم يجز له أن يمسح مسح المسافر، ولانها عبادة تختلف بالحضر والسفر فإذا ابتدأها في السفر ثم حضر في اثنائها غلب حكم الحضر كالصلاة، فان كان قد مسح يوما وليلة ثم أقام أو قدم خلع، وإن كان مسح اقل من يوم وليلة ثم أقام أو قدم أتم يوما وليلة لما ذكرنا، ولو مسح في السفر أكثر من يوم وليلة ثم دخل في الصلاة فنوى الاقامة في اثنائها بطلت لان المسح بطل فبطلت الطهارة التي هي شرط لصحة الصلاة، ولو تلبس بالصلاة في سفينة فدخلت البلدة في اثنائها بطلت صلاته لذلك والله أعلم
(مسألة) (وإن مسح مقيما ثم سافر أو شك في ابتادئه أتم مسح مقيم، وعنه يتم مسح مسافر) اختلفت الرواية عن احمد في هذه المسألة فروي عنه انه يتم مسح مقيم اختاره الخرقي وهو قول الثوري والشافعي وإسحاق لانها عبادة تختلف بالحضر والسفر فإذا وجد أحد طرفيها في الحضر غلب حكمه كالصلاة، وروي عنه انه يتم مسح مسافر سواء مسح في الحضر لصلاة أو اكثر منها بعد أن لا تنقضي مدة المسح وهو حاضر وهذا مذهب ابى حنيفة لقوله صلى الله عليه وسلم " يمسح المسافر ثلاثة ايام ولياليهن " وهذا مسافر ولانه سافر قبل انقضاء مدة المسح اشبه من سافر بعد الحدث وقبل المسح وهذا اختيار الخلال وصاحبه، قال الخلال رجع احمد عن قوله الاول إلى هذا، وإن شك هل ابتدأ المسح في الحضر أو السفر بنى على مسح حاضر لانه لا يجوز المسح مع الشك في إباحته ولان الاصل الغسل والمسح رخصة فإذا شككنا في شرطها رجعنا إلى الاصل.
فان ذكر بعد انه كان قد ابتدأ المسح في السفر جاز البناء على مسح مسافر، وان كان قد صلى بعد اليوم والليلة مع الشك ثم تيقن فعليه إعادة ما صلى مع الشك لانه صلى بطهارة لم يكن له أن يصلي بها فهو كما لو صلى يعتقد أنه محدث ثم ذكر انه
متطهر فان وضوءه صحيح ويلزمه إعادة الصلاة وهذا التفريع على الرواية الاولى.
ومتى شك الماسح في الحدث بنى على الاحوط عنده لان الاصل غسل الرجل (فصل) فان لبث وأحدث وصلى الظهر ثم شك هل مسح قبل الظهر أو بعدها وقلنا ابتداء المدة من حين المسح بنى الامر في المسح على انه قبل الظهر وفي الصلاة على أنه مسح بعدها لان الاصل بقاء الصلاة في ذمته ووجوب غسل الرجل فرددنا كل واحد منهما إلى أصله والله أعلم (مسألة) (وان أحدث ثم سافر قبل المسح أتم مسح مسافر) لا نعلم بين أهل العلم خلافا في ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم " يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن؟ وهذا حال ابتداء المسح كان مسافرا (مسألة) قال (ولا يجوز المسح إلا على ما يستر محل الفرض ويثبت بنفسه) متى كان الخف ساترا لمحل الفرض لا يرى منه الكعبان لكونه ضيقا أو مشدودا جاز المسح عليه.
فأما المقطوع من دون الكعبين فلا يجوز المسح عليه وهذا قول الشافعي وأبي ثور وهو الصحيح عن مالك، وحكي عن
الاوزاعي ومالك جواز المسح عليه لانه خف يمكن متابعة المشى فيه أشبه السائر ولنا أنه لا يستر محل الفرض أشبه اللالكة والنعلين ولان حكم ما ظهر الغسل وحكم ما استتر المسح ولا سبيل إلى الجمع من غير ضرورة فغلب الغسل كما لو ظهرت إحدى الرجلين ولو كان للخف قدم وله شرج إذا شده يستر محل الفرض جاز المسح عليه وقال أبو الحسن الآمدي لا يجوز المسح
عليه كاللفائف، ولنا أنه خف ساتر يمكن متابعة المشي فهى أشبه غير ذي الشرج (فصل) فان كان الخف محرما كالقصب الحرير لم يجز المسح عليه في الصحيح من المذهب لان المسح رخصة فلا تستباح بالمعصية كما لا يستبيح المسافر الرخص بسفر المعصية (فصل) ويجوز المسح على كل خف ساتر لمحل الفرض سواء كان من جلود أو لبود وما أشبهها فان كان خشبا أو حديدا وما أشبههما جاز المسح عليه وهذا قول أبي الخطاب قال القاضي وهو قياس المذهب لانه خف يمكن متابعة المشي فيه ساتر لمحل الفرض أشبه الجلود، وقال بعض أصحابنا لا يجوز المسح عليها لان الرخصة وردت في الخفاف المتعارفة للحاجة (1) ولا تدعو الحاجة إلى المسح على هذه في الغالب.
(مسألة) قال (ويثبت بنفسه) فان كان لا يثبت بنفسه بحيث يسقط من القدم إذا مشى فيه لم يجز المسح عليه لان الذي تدعو الحاجة إلى لبسه هو الذي يمكن متابعة المشي فيه فأما ما يسقط إذا مشى فيه فلا يشق نزعه ولا يحتاج إلى المسح عليه (مسألة) (فان كان فيه خرق يبدو منه بعض القدم أو كان واسعا يرى منه الكعب أو الجورب خفيفا يصف القدم أو يسقط منه إذا مشى أو شد لفائف لم يجز المسح عليه) وجملة ذلك انه انما يجوز المسح على الخف ونحوه إذا كان ساتر المحل الفرض لما ذكرنا، فان كان فيه خرق يبدو منه بعض القدم أو كان واسعا يرى منه الكعب لم يجز المسح سواء كان الخرق كبيرا أو صغيرا من موضع الخرز أو من غيره.
فاما ان
__________
1) إذا كانت الرخصة للحاجة فلم تقيد بالمتعارف في صفة عارضة لادخل لها في مس الحاجة كمادة الخف وشكله وصنعته؟ الحق الاول وهذا تعليل ضعيف
كان الشق ينضم فلا يبدو منه القدم لم يمنع جواز المسح نص عليه وهو مذهب معمر وأحد قولي الشافعي،
وقال الثوري وإسحاق وابن المنذر يجوز المسح عل كل خف، وقال الاوزاعي يمسح الخف المخروق وعلى ما ظهر من رجله وقال أبو حنيفة ان كان أقل من ثلاث أصابع جاز المسح عليه وإلا لم يجز، وقال مالك ان كثر وتفاحش لم يجز وإلا جاز وتعلقوا بعموم الحديث وبأنه خف يمكن متابعة المشي فيه أشبه الصحيح ولان الغالب على خفاف العرب كونها مخرقة وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلبسها من غير تفصيل فينصرف إلى الخفاف الملبوسة عندهم غالبا ولنا أنه غير ساتر للقدم فلم يجز المسح عليه كما لو كثر وتفاحش ولان حكم ما ظهر الغسل وحكم ما استتر المسح فإذا اجتمعا غلب الغسل كما لو ظهرت إحدى الرجلين (فصل) وكذلك إن كان الجورب خفيفا يصف القدم لم يجز المسح عليه لانه غير ساتر (1) لمحل الفرض أشبه النعل.
وكذلك ان كان يسقط من القدم ولا يثبت فيه لما ذكرنا، ولا يجوز المسح على اللفائف والخرق نص عليه أحمد لانها لا تثبت بنفسها انما تثبت بشدها ولا نعلم في هذا خلافا (مسألة) (وان لبس خفا فلم يحدث حتى لبس عليه آخر جاز المسح عليه) يعني على الفوقاني سواء كان التحتاني صحيحا أو مخرقا وهذا قول الثوري والاوزاعي وأصحاب الرأي، ومنع منه مالك والشافعي في أحد قوليهما لان الحاجة لا تدعو إلى لبسه في الغالب فلم تتعلق به رخصة عامة كالجبيرة
__________
1) ان بدو القليل المعتاد في الخفاف ولا سيما في السفر وهذا اختيار شيخ الاسلام تقي الدين من الحنابلة
ولنا أنه خف ساتر يثبت بنفسه أشبه المنفرد وقوله الحاجة لا تدعو إليه ممنوع فان البلاد الباردة لا يكفى فيها خف واحد غالبا ولو سلمنا ذلك لكن الحاجة معتبرة بدليلها وهو الاقدام على اللبس لا بنفسها فهو كالخف الواحد.
إذا ثبت ذلك فمتى نزع الفوقاني قبل مسحه لم يؤثر فيه، وان نزعه بعد مسحه بطلت الطهارة ووجب نزع الخفين وغسل الرجلين لزوال محل المسح ونزع أحد الخفين كنزعهما لان الرخصة تعلقت بهما فصار كانكشاف القدم، ولو أدخل يده من تحت الفوقاني ومسح الذي تحته جاز لان كل واحد منهما محل للمسح فجاز المسح عليه كما يجوز غسل قدميه في الخف مع جواز المسح
عليه، ولو لبس أحد الجرموقين في أحد الرجلين دون الاخرى جاز المسح عليه وعلى الخف الذي في الرجل الاخرى فهو كما لو لم يكن تحته شئ (فصل) وان لبس مخرقا فوق صحيح فالمنصوص عن احمد جواز المسح عليه رواها عنه حرب لان القدم مستور بخف صحيح فجاز المسح عليه كما لو كان مكشوفا، وقال القاضي وأصحابه لا يجوز المسح إلا على التحتاني لان الفوقاني لا يجوز المسح عليه مفردا أشبه مالو كان تحته لفافة، فاما ان لبس مخرقا فوق لفافة لم يجز المسح عليه لان القدم غير مستور بخف صحيح، وان لبس مخرقا فوق مخرق فاستتر القدم بهما احتمل أن لا يجوز المسح لذلك واحتمل جواز المسح لان القدم استتر بهما أشبه مالو كان أحدهما مخرقا والآخر صحيحا
(فصل) فاما إن لبس الفوقاني بعد أن أحدث لم يجز المسح لانه لبسه على غير طهارة وكذلك ان مسح على الاول ثم لبس الثاني، وقال بعض أصحاب الشافعي يجوز لان المسح قام مقام الغسل ولنا أن المسح على الخف لم يزل الحدث عن الرجل فلم تكمل الطهارة أشبه التيمم ولان الخف الممسوح عليه بدل والبدل لا يكون له بدل آخر والله أعلم (مسألة) (ويمسح أعلى الخف دون أسفله وعقبه فيضع يده على الاصابع ثم يمسح إلى ساقه) هذه السنة في مسح الخف، فان عكس فمسح في ساقه إلى أسفل جاز والمسنون الاول لما روى الخلال باسناده عن المغيرة فذكر وضوء النبي صلى الله عليه وسلم قال ثم توضأ ومسح على الخفين فوضع يده اليمنى على خفه الايمن ووضع يده اليسرى على خفه الايسر ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة حتى كأني أنطر إلى أثر أصابعه على الخفين قال ابن عقيل: سنة المسح هكذا أن يمسح خفيه بيديه باليمنى اليمنى وباليسرى اليسرى وقال احمد كيفما فعلت فهو جائز باليد الواحدة أو باليدين، وان مسح باصبع أو أصبعين أجزأه إذا كرر المسح بها حتى يصير مثل المسح باصابعه ولا يسن مسح أسفله ولا عقبه وهذا قول عروة وعطاء والحسن والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي وابن المنذر، وروي مسح ظاهر الخفين وباطنهما عن سعد بن أبي وقاص وابن عمر وعمر ابن عبد العزيز وابن المبارك ومالك والشافعي لما روى المغيرة بن شعبة قال وضأت رسول الله صلى الله عليه وسلم
فمسح أعلى الخف وأسفله رواه أبو داود والترمذي ولانه يحاذي محل الفرض أشبه ظاهره ولنا قول علي رضي الله عنه: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من ظاهره وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح ظاهر خفيه رواه الامام احمد وأبو داود، وعن عمر قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالمسح على ظاهر الخفين إذا لبسهما وهما طاهرتان رواه الخلال ولان مسحه غير واجب ولا يكاد يسلم من مباشرة أذى فيه تتنجس به يده فكان تركه أولى، وحديثهم معلول قاله الترمذي وقال وسألت أبا زرعة ومحمدا عنه فقال ليس بصحيح وقال احمد هذا من وجه ضعيف وأسفل الخف ليس بمحل لفرض المسح بخلاف أعلاه (فصل) فان مسح أسفله أو عقبه دون أعلاه لم يجزه في قول أكثر العلماء، قال شيخنا لا نعلم أحدا قال يجزئه مسح أسفل الخف إلا أشهب من اصحاب مالك وبعض الشافعية لانه مسح بعض ما يحاذي محل الفرض فأجزأه كما لو مسح ظاهره، ومنصوص الشافعي كمذهب الجمهور لما ذكرنا ان النبي صلى الله عليه وسلم انما مسح ظاهر الخف ولا خلاف في انه يجزئ الاقتصار على مسح ظاهر الخف حكاه ابن المنذر (فصل) والقدر المجزئ في المسح أن يمسح أكثر مقدم ظاهره خطوطا بالاصابع قاله القاضي لما ذكرنا من حديث المغيرة، وقال الشافعي والثوري وأبو ثور يجزئ القليل منه لانه أطلق لفظ المسح ولم ينقل فيه تقدير فرجع إلى ما تناوله الاسم، وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن يجزئه قدر ثلاث أصابع وهو قول الاوزاعي، وقال إسحاق لا يجزئ حتى يمسح بكفيه ولنا ان لفظ المسح ورد مطلقا وفسره النبي صلى الله عليه وسلم بفعله كما ذكرنا في حديث المغيرة، ولا يستحب تكرار مسحه لان في حديث المغيرة مسحة واحدة.
روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وقال عطاء يمسح ثلاثا (فصل) فان مسح بخرقة أو خشبة احتمل الاجزاء لحصول المسح، واحتمل المنع لان النبي صلى الله عليه وسلم مسح بيده، فان غسل الخف لم يجزه وهذا قول مالك واختيار القاضي، قال ابن المنذر وهو أقيس لانه أمر بالمسح فلم يفعله فلم يجزه كما لو طرح التراب على وجهه ويديه في التيمم لكن
إن أمر يديه على الخفين في حال الغسل أو بعده أجزأه لوجود المسح.
وقال ابن حامد يجزئه وهو قول الثوري وأصحاب الرأي لانه أبلغ من المسح والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم أولى والمستحب أن يفرج أصابعه إذا مسح قال الحسن خطوطا بالاصابع ووضع الثوري أصابعه على مقدم خفيه وفرج بينهما ثم مسح على اصل الساق، وروي عن عمر أنه مسح حتى رئي آثار اصابعه على خفيه خطوطا (مسألة) (ويجوز المسح على العمامة المحنكة إذا كانت ساترة لجميع الرأس الا ما جرت العادة بكشفه) قد ذكرنا دليل جواز المسح على العمامة، ومن شروط جواز المسح عليها أن تكون ساترة لجميع الرأس الا ما جرت العادة بكشفه كمقدم الرأس والاذنين وجوانب الرأس فانه يعفى عنه بخلاف خرق الخف فانه يعفى عنه لان هذا جرت العادة به ويشق التحرز عنه وان ظهر بعض القلنسوة من تحت العمامة فالظاهر جواز المسح عليهما لانهما صارا كالعمامة الواحدة، ومتى كانت محنكة جاز المسح عليها رواية واحدة سواء كان له ذؤابة أو لم يكن لان هذه عمائم العرب وهي أكثر سترا ويشق نزعها قاله القاضي وسواء كانت صغيرة أو كبيرة ولانها مأمور بها وتفارق عمائم أهل الكتاب (مسألة) قال (ولا يجوز على غير المحنكة الا ان تكون ذات ذؤابة فيجوز في احد الوجهين) اما إذا لم يكن لها حنك ولا ذؤابة فلا يجوز المسح عليها لانها على صفة عمائم اهل الذمة وقد نهي عن التشبه بهم ولانها لا يشق نزعها وان كان لها ذؤابة ولا حنك لها ففيه وجهان (احدهما) جوازه لانها لا تشبه عمائم اهل الذمة إذ ليس من عادتهم الذؤابة (والثاني) لا يجوز وهو الاظهر لان النبي صلى الله عليه وسلم امر بالتحلي ونهى عن الاقتعاط.
رواه أبو عبيد قال: والاقتعاط ان لا يكون تحت الحنك منها شئ وروي ان عمر رضى الله عنه راى رجلا ليس بمحنك بعمامته فحنكه بكور منها وقال ما هذه الفاسقية ولانها لا يشق نزعها فلم يجز المسح كالتي لا ذؤابة لها ولا حنك (فصل) وما جرت العادة بكشفه من الرأس استحب ان يمسح عليه مع العمامة، نص عليه لان النبي صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته وعمامته في حديث المغيرة وهو صحيح، وهل يجب الجمع بينهما إذا قلنا بوجوب استيعاب مسح الرأس؟ فيه وجهان (احدهما) يجب للخبر ولان العمامة ثابت عما استتر
فوجب مسح الباقي كما لو ظهر سائر رأسه (والثاني) لا يجب لان العمامة نابت عن الرأس فانتقل الفرض إليها وتعلق الحكم بها فلم يبق لما ظهر حكم ولان الجمع بينهما يفضي إلى الجمع بين البدل والمبدل في عضو واحد فلم يجز من غير ضرورة كالخف ولا يجب مسح الاذنين مع العمامة لا نعلم فيه خلافا لانه لم ينقل وليستا من الرأس إلا على وجه التبع (فصل) وحكمها في التوقيت واشتراط تقدم الطهارة لها حكم الخف قياسا عليه، فان كانت العمامة محرمة اللبس كالحرير والمغصوبة لم يجز المسح عليها في الصحيح لما ذكرنا في الخف فان لبست المرأة عمامة لم يجز المسح عليها لانها منهية عن التشبة بالرجال فكانت محرمة في حقها وان كان لها عذر فهذا نادر لا يفرد يحكم (مسألة) (ويجزئ مسح أكثرها وقيل لا يجزئ الا مسح جميعها) اختلفت الرواية في وجوب استيعاب العمامة بالمسح فروي ما يدل على أنه يجزئ مسح أكثرها لانها احد الممسوحين على وجه البدل فأجزأ مسح بعضه كالحف، وروي عنه أنه يلزم استيعابها قياسا على مسح الرأس.
والفرق بينهما أن البدل ههنا من جنس المبدل فيقدر بقدره كمن عجز عن قراءة الفاتحة وقدر على قراءة غيرها من القرآن يجب أن يكون بقدرها.
ولو كان البدل تسبيحا لم يتقدر بقدرها لكونه ليس من جنسها.
والخف بدل من غير الجنس لكونه بدلا عن الغسل فلم يتقدر بقدره كالتسبيح بدلا عن القرآن، والصحيح الاول قياسا عى الخف وما ذكر للرواية الثانية ينتقض بمسح الجبيرة فانه بدل عن الغسل وهو من غير جنس المبدل ويجب فيه الاستيعاب، وقال القاضي يجزئ مسح بعضها كالخف ويختص ذلك بأكوارها دون وسطها فان مسح وسطها وحده ففيه وجهان (أحدهما) يجزئه كما يجزئ مسح بعض دوائرها (والثاني) لا يجزئه كما لو مسح أسفل الخف
(مسألة) (ويمسح على جميع الجبيرة إذا لم تتجاوز قدر الحاجة) لانه لا يشق المسح عليها كلها بخلاف الخف فانه يشق تعيميم جميعه ويتلفه المسح ولانه مسح للضرورة أشبه التيمم، وان كان بعضها في محل الفرض وبعضها في غيره مسح ما حاذي محل الفرض نص عليه أحمد.
وانما يجوز المسح عليها إذا لم يتعد بها موضع الكسر إلا بما لابد من وضع الجبيرة عليه فانها لابد أن توضع على طرفي الصحيح ليرجع
الكسر، فان شدها على مكان يستغني عن شدها عليه كان تاركا لغسل ما يمكنه غسله من غير ضرر فلم يجز كما لو شدها على مالا كسر فيه، وقد روي عن أحمد أنه سهل في ذلك في مسألة الميموني والمروذي لان هذا مما لا ينضبط وهو شديد جدا.
فعلى هذا لا بأس بالمسح على العصائب كيف شدها والاول أولى لما ذكرنا.
فعلى هذا إذا تجاوز بها موضع الحاجة لزمه نزعها ان لم يخف الضرر وان خاف من نزعها تيمم لها لانه موضع يخاف الضرر باستعمال الماء فيه فجاز التيمم له كالجرح.
(مسألة) قال (ومتى ظهر قدم الماسح أو رأسه أو انقضت مدة المسح استأنف الطهارة) لان المسح بدل عن الغسل فمتى ظهر القدم وجب غسله لزوال حكم البدل كالمتيمم يجد الماء (وعنه يجزئه مسح رأسه وغسل قدميه) وجملة ذلك أنه متى ظهر قدم الماسح بعد الحدث والمسح وقبل انقضاء المدة فقد اختلف العلماء فيه فالمشهور عن أحمد رحمه الله أنه يعيد الوضوء وبه قال النخعي والزهري ومكحول والاوزاعي واسحاق وهو أحد قولي الشافعي، وعن أحمد رواية أنه يجزئه غسل قدميه وهو قول الثوري وأبي ثور
والمزني وأصحاب الرأي والقول الثاني للشافعي لان مسح الخفين ناب عن الرجلين خاصة فظهورهما يبطل ما ناب عنه كالتيمم إذا بطل برؤية الماء بطل ما ناب عنه.
وهذا الاختلاف مبني على وجوب الموالاة فمن لم يوجبها في الوضوء جوز غسل القدمين لان سائر أعضائه سواهما مغسولة ومن أوجب الموالاة أبطل الوضوء لفوات الموالاة، فعلى هذا لو خلع الخفين قبل جفاف الماء عن بدنه أجزأه غسل قدميه وصار كانه خلعهما قبل مسحه عليهما، وقال الحسن وقتادة: لا يتوضأ ولا يغسل قدميه واختاره ابن المنذر لانه أزال الممسوح عليه بعد كمال الطهارة أشبه مالو حلق رأسه بعد مسحه ووجه الرواية الاولى أن الوضوء بطل في بعض الاعضاء فبطل في جميعها كما لو أحدث وما ذكروه يبطل بنزع أحد الخفين فانه يلزمه غسلهما وانما ناب مسحه عن إحداهما.
وأما التيمم عن بعض الاعضاء فسيأتي الكلام عليه في بابه ان شاء الله.
وقال مالك والليث بن سعد: ان غسل رجليه مكانه صحت طهارته فان تطاول أعاد الوضوء لان الطهارة كانت صحيحة إلى حين نزع الخفين أو انقضاء المدة وانما بطلت في القدمين خاصة فإذا غسلهما عقيب النزع حصلت الموالاة بخلاف ما إذا تطاول، ولا يصح ذلك لان
المسح بطل حكمه وصار الآن يضيف الغسل إلى الغسل فلم يبق للمسح حكم ولان الاعتبار في الموالاة انما هو بقرب الغسل من الغسل لا من حكمه فانه متى زال حكم الغسل بطلت الطهارة ولم ينفع قرب الغسل من الخلع شيئا لكون الحكم لا يعود بعد زواله إلا بسبب جديد والله أعلم
الكلمات المفتاحية :
الفقه الحنبلي
هذه التدوينة قابلة للنسخ اذا اعجبتك قم بنسخ الرابط من هذه الروابط الثلاثة والصقه بموقعك
URL: HTML link code: BB (forum) link code:
ليست هناك تعليقات: